لا تحصوها : لا تقدرون على حصرها وعدها ، والإحصاء في الأصل : العد بالحصى ، ثم أطلق على العد مطلقا .
ظلوم : ظالم شديد الظلم ، يقال : ظلم ، يظلم ، ظلما ، من باب ضرب فهو ظالم وظلوم . والظلم وضع الشيء في غير محله .
كفار : جاحد النعمة . يقال : كفر النعمة ، وكفر بالنعمة : جحدها .
{ وآتاكم من كل ما سألتموه . . . } .
وأعطاكم من كل ما سألتموه ، أي : أعطاكم بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم ، أو أعطاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه ، فحذف الثاني ؛ لدلالة الأول عليه ، ونظيره : { سرابيل تقيكم الحر } . ( النحل : 81 ) ، أي : والبرد .
وقرئ بتنوين كل : والمعنى على هذه القراءة : أعطاكم الله من كل شيء ابتداء ؛ بدون منكم ، على أن ما نافية ، أي : أعطاكم من كل شيء ، حال كونكم غير سائليه .
{ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها . . } .
أنعم الله عليكم نعما جمة لا تعد ولا تحصى ؛ فهلا استعنتم بها على الطاعة ، وشكرتم الله عليها ، واستخدمتموها في طاعته وعبادته وعدم الإشراك به ، وفي صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( اللهم ، لك الحمد غير مكفيّ ولا مودّع ولا مستغني عنه ربنا ) ؛ فهو سبحانه لم يكفه غيره ، بل هو يكفي غيره .
ولا مستغني عنه ربنا : فهو الذي يحتاج إليه الخلق .
{ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } . لا تطيقوا إحصاءها ، بوجه من الوجوه ، ولو رام فرد من أفراد العبادة ، أن يحصي ما أنعم الله به عليه ، في خلق عضو من أعضائه ، أو حاسة من حواسه ، لم يقدر على ذلك قط ، فكيف بما عدا ذلك من النعم ، في جميع ما خلقه الله في بدنه ، والنعم الواصلة إليه في كل وقت ، على تنوعها واختلاف أجناسها ، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا ، مما لا يعلمه إلا أنت25 .
هناك وجهان في تفسير هذه الآية .
الوجه الأول : المراد بالإنسان : الكافر الذي عبد غير الله ، أي : أن الإنسان الكافر الذي عبد غير الله ، لظلوم لنفسه ؛ بإغفاله لشكر من أنعم عليه .
{ كفار } . شديد الكفر لله حيث عبد غيره ، وسجد للوثن والصنم ، مع أن المستحق بالعبادة هو الله تعالى .
والوجه الثاني : المراد من الإنسان : جنس الإنسان ، ومن الكفر : كفر النعمة ؛ بالتقصير في شكرها .
والمعنى : إن الإنسان لا يقدر نعم الله عليه ، وهي لا تحصى ، فتراه عظيم الظلم لنفسه ، شديد الكفران لنعم ربه ، فهو دائم الانتفاع بها ، والتقصير في أداء شكرها ، ووضعها في غير موضعها ، ولو أنصف نفسه ، وعرف حق ربه ، لاستدام شكره ، والوفاء بحقه جل وعلا26 .
قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) ( من ) ، للتبعيض . فيكون المعنى : أن الله أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئة الله وحكمته البالغة . وعلى هذا فإن الإنسان قد يسأل الله العافية فيعافيه ، ويسأله النجاة فينجيه ، ويسأله الغنى فيغنيه ، ويسأله الولد فيعطيه ، ويسأله أن ييسر أمره ويشرح صدره ويدرأ الأذى والشر والضرّ عنه فيجيبه لما سأله إياه . لا جرم أن نعم الله لا يحصرها العد . والله سبحانه العاطي المنان المتفضل على عباده ، يجزل من العطاء للناس ليسبغ عليهم من نعمه الكاثرة ما يستوجب من العباد دوام الثناء والشكران لله .
قوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) نعمة الله اسم جنس بمعنى المنعم به . وهو لا يراد به الواحد من النعم بل يراد به الجمع . كأنه قيل : وإن تعدوا نعم الله ( لا تحصوها ) أصل الإحصاء العد بالحصى ؛ فقد كان العرب يعتمدونه في العد . ثم استعمل لمطلق العد من كثرة الاستعمال . والمعنى : أن نعم الله بالغة الكثرة فلا تطيقون حصرها أو عدها . ونعم الله عديدة ومتنوعة ومختلفة . وهي مبثوثة في السماء وفي الأرض وفي سائر أنحاء الطبيعة والحياة مما ينتفع به الإنسان من المطعوم أو المشروب أو الملبوس أو ما فيه رخاء وجمال وسعادة مما تبتهج به النفوس والقلوب والأذهان ، أو تنتشي به وتزهو زهوا يثير في جوها البسطة والحبور .
قوله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) المراد بالإنسان هنا من تقدم وصفه بالكفر وكثرة الظلم والعصيان . وذلك إخبار من الله أن الإنسان الذي توجد فيه خلال الظلم والكفر ( لظلوم ) أي شديد الظلم ، فيظلم النعمة بإغفال شكرها ، وقيل : كثير الظلم لنفسه ولغيره . وهو أيضا ( كفار ) أي شديد الكفران للنعمة بجحدها وعدم شكرانها .
وربما قيل : إن الإنسان في الغالب ظلوم ، من الظلم وهو الشرك ، فيجنح الإنسان للشرك على اختلاف صوره وألوانه . وهو في ذلك ينشد إرضاء من يروم رضاه من الآلهة المصطنعة المفتراة كالآلهة من الجن ، أو الأرواح الموهومة ، أو الأصنام الجامدة البلهاء ، أو من السادة الكبراء من مجرمي البشر . وهو كذلك في الغالب يجنح للكفر بإغفال الشكر لله على أنعمه الكبيرة والكثيرة التي لا تحصيها الأقلام أو الألسن أو القراطيس ؛ ذلكم هو الإنسان في الغالب جانح للظلم والكفران والعصيان إلا من رحم الله من عباده المؤمنين الأبرار المخبتين إليه ، الذين يحذرون السقوط في الشرك وظلم الآخرين أو كفران النعم وجحودها . لا جرم أن الزمان طيلة دورانه وجريانه لم يخل من عباد لله صالحين كرام يؤمنون إيمانا صادقا راسخا ويطيعونه مخلصين منيبين إليه ، لا يصدهم عن ذلك إغراء ولا فتنة ، ولا يحول بينهم وبين الاعتصام بحبل الإسلام إغواء ولا ابتلاء . {[2407]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.