تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} (9)

{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } .

تأتي هذه الآية في مقام الرد على هؤلاء المستهزئين ، الذين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ، فترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتبين : أن الله وحده هو الذي أنزل القرآن ، وهو سبحانه المتكفل بحفظه ، وقد تميز القرآن عن غيره من الكتب ، بأن أعدادا غفيرة من المسلمين ، تحفظه عن ظهر قلب ، وتتوارث حفظه خلفا عن سلف ، وقد ألهم الله المسلمين بكتابته في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتكرر جمعه في مصحف في عهد أبي بكر ، وكتابته على لهجة واحدة في عهد عثمان ، ومن حفظ الله تعالى لكتابته : مرور عصور طويلة من الظلام ، ضعف فيها شأن المسلمين ، وانحسر سلطانهم ، وظلّ القرآن الكريم محفوظا في الصدور ، مكتوبا في السطور ، متلوّا على الألسنة ، مسجلا على الأشرطة ، مذاعا في إذاعات العالم المسموعة والمرئية ؛ تأكيدا لتعهده سبحانه بحفظ هذا الكتاب .

ونلاحظ أن الله استحفظ الأحبار والرهبان الكتب السابقة ، وتكفل هو بحفظ كتابه ، قال تعالى : { والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله } . ( المائدة : 44 ) .

وقال سبحانه : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . ( الحجر : 9 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} (9)

قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( نحن ) ، في موضع نصب ؛ لأنه تأكيد للضمير الذي هو اسم إن . ويجوز أن يكون نحن في موضع رفع مبتدأ . وخبره ( نزلنا ) والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع ؛ لأنه خبر إن{[2432]} .

الله الذي نزل قرآنه المجيد ليكون للبشرية هاديا ومنيرا ، قد وعد أن يحفظ هذا الكتاب المبارك الحكيم من أي انتقاص من آياته وكلماته ، أو أن يزاد فيه باطل .

ذلك وعد من الله ثابت وقائم . ووعد الله صدق ويقين . وهو سبحانه لا يخلف وعده بحفظ قرآنه العظيم من تمالؤ المتآمرين أو الخائنين أو المتلصِّصين الذين ما فتئوا يتدسسون في الليل والنهار للدخول على القرآن ليبدلوه تبديلا . أو يغيروا فيه بعض آياته أو كلماته إفسادا لمعانيه وإذهابا لحقيقة المقصود منه .

ما فتئ المتربصون المكذبون والحاقدون الذين يكرهون الإسلام والمسلمين يكيدون للقرآن العظيم أفظع كيد ، وذلك بمختلف الحيل والأساليب للنيل من هذا الكتاب المنزل ؛ وذلك بالزيادة فيه أو حذف ما يروق لهم أن يحذفوه منه أويحرفوا فيه تحريفا . وذلك كآيات الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لإعلاء كلمة الإسلام وإشاعته في العالمين ، وكذلك آيات الأسرة والقوامة والعقوبات ، وآيات التوحيد والتنديد بالشرك وعبادة البشر كاتخاذ بعض النبيين آلهة مع الله .

ويضاف إلى ذلك كله الدعوة الراهنة المريبة لنشر اللغة العامية بدلا من العربية الفصحى متذرعين بسهولة العامية وصعوبة الفصحى .

وليس في ذلك إلا التمالؤ الخبيث على اللسان العربي الفصيح والسليقة العربية السليمة المميزة من أجل إضعافهما تماما . وذلك سبب يقود حتما إلى انعدام التذوق للقرآن أو ادكاره واستعذابه بضعف المذاق العربي عموما . لا جرم أن هذه سبيل فظيعة تفضي إلى إغفال القرآن ومحوه من الذاكرة العربية ليصبح على مر الزمان ضربا من الكلام العسير الثقيل . أو ضربا من رموز معميات أو النظم الغامض الذي يخالطه اللبس والإبهام فلا يدري به أو يعلمه إلا القلة النادرة من أهل التخصص في تحليل الحروف والخطوط كالذي جرى للكتب المتقدمة ؛ إذ باتت خليطا من الكلام المتضارب الملفق لكثرة ما تلاعب فيه المحرفون الخاطئون . لا جرم أن ذلك من مكر الماكرين من شياطين البشر الذي يصلون الليل بالنهار وهم يتآمرون على قرآن الله لمحوه من أذهان المسلمين بتحريفه أو تغييره أو تبديله . لكن وعد الله قائم قيام هذا الكون الراسخ المستقر الذي لا يتزعزع . فالله قد وعد بصون قرآنه ليظل على الدوام محفوظا من كل اعتبار أو تمحل أو تلاعب .


[2432]:- نفسه.