تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} (167)

{ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا . . . }

165

المفردات :

كرة : رجعة إلى الدنيا .

حسرات : جمع حسرة ، وهي أشد درجات الندامة على شيء فات .

التفسير :

وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم في الباطل بدون تعقل أو تدبر ، ليت لن رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل كما تبرءوا منا في هذا اليوم العصيب ، ولنشفي غيظنا منهم لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم .

{ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } .

كما أرى الله تعالى المشركين العذاب وما صاحبه من التبرؤ وتقطع الأسباب بينهم ، يريهم سبحانه أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون حسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم .

والمقصود أن أعمالهم لا يجدون لها أثرا من الخير ، بل يبدلها الله حسرات وزفرات حين يرون العذاب على كل عمل منها .

وما هم بخارجين من النار :

أي وما هم بخارجين من تلك النار التي عوقبوا بها بسبب شركهم ، بل هم مستقرون فيها استقرارا أبديا ، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفي خروجهم من النار ، وبيان أنهم ملقون ومخلدون فيها كما قال تعالى في آية أخرى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها . ( السجدة : 20 ) .

وهكذا يسوق لنا القرآن الكريم ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة ، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم ، ترى فيه الصور الشاخصة حاضرة ، وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن في عرضه للحقائق ، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس وتؤتى الطيبة في القلوب .

***

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} (167)

وقوله : ( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ) هؤلاء هم المشركون الذين كانوا تبعا للسادة والكبراء في الدنيا ، يتمنون يوم يرون العذاب في الآخرة وبعد أن يتبرأ منهم السادة والكبراء ، لو أن لهم ( كرة ) أي عودة أو رجعة إلى الدنيا ؛ ليتبرءوا من عبادتهم مثلما تبرأ المتبوعون يوم القيامة منهم ، وليعاودوا العمل من جديد فيعبدوا الله وحده دون غير من شركاء أو أنداد .

وقوله : ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) مثلما أراهم الله العذاب فتمنوا أن يتبرأوا من معبوديهم في كرة أخرى ، فإن الله يريهم أيضا أعمالهم حسرات عليهم أي أنهم يرون أعمالهم الفاسدة يوم القيامة فتأخذهم الحسرة وهي الندامة الشديدة والتلهف البالغ . ولسوف يرون العذاب القارع المروع فجأة حتى يُسقط في أيديهم وتتقطع قلوبهم وجلا ثم يساقون إلى النار فيمكثون دائمين ما بقي الزمان ( وما هم بخارجين من النار ) وقوله في الآية : ( كذلك ) الكاف في محل رفع على الابتداء . وتقديره : مثل ذلك الإراء الفظيع ( يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) أي ندامات وتلهفات . والإراء هنا من رؤية البصر فيكون الفعل ( يريهم ) متعديا لمفعولين وهما الهاء في يريهن . والثاني ( أعمالهم ) . فتكون حسرات منصوبة على الحال . وقيل : من رؤية القلب ، فتكون حسرات مفعولا به ثالثا{[175]} .


[175]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 206 والكشاف جـ 1 ص 327.