تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (19)

15

المفردات :

أوزعني : ألهمني ويسر لي .

التفسير :

19-{ فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

التبسم : مبدأ الضحك من غير صوت ، والضحك : انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفي ، فإن كان فيه صوت يسمع من بعيد فهو القهقهة .

ومعنى الآية :

فتبسم سليمان مسرورا ضاحكا راضيا من كلام النملة ، ومن نعمة الله عليه في فهم كلامها ، ومن شدة حسمها ، وقيامها بواجبها ، وتوضيح مقاصدها لطائفة النمل ، واحتراسها .

حين قالت : { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون }

ولما رأى سليمان ذلك رضي وشمله السرور والرضا ، وأخذ في دعاء الله قائلا :

{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

أي : قال : يا رب تفضلت عليّ بنعم كثيرة ، فألهمني وسخّرني ووفقني أن أقوم بشكر نعمك ، والثناء عليك ، والاعتراف لك بالفضل والمنة ، جزاء ما أنعمت به عليّ وعلى والديّ ، وزدني توفيقا ، حتى أعمل العمل الصالح الذي ترضاه وتقبله ، واجعلني ممن تشمله رحمتك وفضلك ، حتى أكون في جملة عبادك الصالحين ، الذين رضيت عنهم ورضوا عنك .

ومن هذه الآية ، نُدرك قيمة الصلاح وأنه غاية سامية يتطلع إليها الأنبياء والمرسلون ، حتى قال تعالى : { ونبيا من الصالحين } [ آل عمران : 39 ] . فالعبد الصالح قدر الله في الأرض ، تدعو له الملائكة ، ويتجاوب معه الكون ، ويصله السلام من ملايين المسلمين في كل صلاة ، ففي قراءة التشهد : [ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ] .

وقد كان هذا الدعاء من سليمان من تواضع الكاملين ، فأبوه رسول أعطاه الله الفضل ، وأمّه زوجة نبي وأم نبي ، وهو رسول أكرمه الله ، لكن الهدف الأصيل عنده هو الوصول إلى رضا الله ، والقيام بشكره ، والتوفيق لأن يعمل عملا صالحا مخلصا يرضاه الله ، وأن ينتظم في سلك العباد الصالحين ، فما أجلها من نعم ، وما أفضلها من أدعية .

{ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتك عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (19)

قوله " { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا } { ضَاحِكًا } ، منصوب على الحال . وتقديره تبسم مقدار الضحك ؛ لأن التبسم غير الضحك وهو دونه{[3429]} والمعنى أن سليمان تبسم ضاحكا عجبا مما سمعه من قول النملة ؛ فقد ألهمه الله القدرة على سماع النملة وهي تنطق ، وخوله من نورانية النبوة وإشراقها ما يستطيع به أن يفهم ما تتخاطب به النمل فيما بينها .

قوله : { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } أوزعني ، أي ألهمني . و { أن } ، مصدرية ؛ فقد دعا سليمان ربه خاشعا متذللا : رب ألهمني شكر نعمتك ، أو اجعلني أشكر نعمتك التي مننت بها علي إذ علمتني منطق الطير والدواب ، وما مننت به على والدي بالهداية والإيمان بك { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } وألهمني أو اجعلني أعمل الطاعات والصالحات لترضى عني { وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } أي ألحقني بالصالحين من عبادك وأدخلني في جملتهم الجنة{[3430]} .


[3429]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 221.
[3430]:أحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص1438 وتفسير القرطبي جـ 13 ص 167-176.