تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا} (41)

40

41- فكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا . أي : إذا كان الله لا يضيع من عمل العاملين مثقال ذرة ، فكيف يكون الناس إذا جمعهم الله وجاء بالشهداء عليهم وهو أنبياؤهم ؟ ! فما من أمة إلا لها بشير ونذير .

وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم ( لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ) ومقابلة عقائدهم ، وأخلاقهم ، وأعمالهم بعقائد الأنبياء ، وأعمالهم ، وأخلاقهم ، فمن شهد لهم بينهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به ؛ فهم ناجون ، ومن تبرأ منهم أنبياؤهم لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاءوا به ؛ فأولئك هم الخاسرون وإن ادعوا إتباعهم والانتماء إليهم .

وقوله : وجئنا بك على هؤلاء شهيدا . يراد به شهادة محمد صلى الله عليه وسلم- خاتم المرسلين – على أمته كما قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . أي : إن هذه الأمة بحسن سيرتها ؛ تكون شهيدة على الأمم السالفة وحجة عليها في انحرافها عن هدى المرسلين ، والرسول صلى الله عليه وسلم بسيرته وأخلاقه الغالية وسننه المرضية ؛ يكون حجة على من تركها وتساهل في إتباعها وعلى من تغالى فيها ، وابتدع البدع المحدثة من بعده .

روى البخاري ، والترمذي ، والنسائي وغيرهم من حديث ابن مسعود أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ''اقرأ على . قلت : يا رسول الله أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ ! قال : نعم أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد . . . الخ ، فقال : '' حسبك الآن'' فإذا عيناه تذرفان ! '' {[8]} .

فانظر كيف اعتبر بهذه الشهادة الشهيد الأعظم صلى الله عليه وسلم فبكى لتذكر هذا اليوم ، وهل نعتبر كما اعتبر ونستعد لهول ذلك اليوم ؛ بإتباع سنته ونجتهد في اجتناب البدع والتقاليد التي لم تكن في عهده ؛ وبذا نكون أمة وسطا لا تفريط عندها في الدين ولا إفراط ، لا في الشئون الجسيمة ولا في الشئون الروحية ، أو نظل في غوايتنا ، تقليدا للآباء ؛ لنكون كما قال الكافرون : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقتَدُونَ . ( الزخرف : 22 ) .


[8]:) اقرأ على؛ أحب أن أسمعه من غيري: رواه البخاري في التفسير (4582) وفي فضائل القرآن (5055،5050) ومسلم في صلاة المسافرين (800) والترمذي في التفسير (3024) وأبو داود في العلم (3668) وابن ماجه في الزهد (4194) وأحمد في مسنده (4107،3595،3541) من حديث عبد الله بن مسعود.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا} (41)

قوله تعالى : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) . ذلك سؤال مثير يبعث على الرهبة والخوف ويذكر بيوم مشهود عصيب يشتد فيه الكرب وتنخلع فيه القلوب لهول الحدث القارع المفزع وذلك هو يوم القيامة ، حيث يجاء على رأس كل أمة من الأمم برسولها الذي بعث فيها ليكون شهيدا عليها بما قدمته من أعمال في الخير أو الشر . وهو موقف عصيب ورعيب حقا ! موقف حافل بالرعب والهول بما لا يتصوره إنسان وذلك إذا جيء بالخلائق كلها لتقف حاسرة عارية بين يدي الرب فيسألها عن كل صغيرة وكبيرة أمام الناس والملائكة جميعا .

قوله : ( وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) المخاطب هو الرسول محمد ( ص ) فإنه سيجاء به يوم القيامة ليكون شاهدا على أمته التي بعث فيها . وقد أخرج البخاري بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله ( ص ) : " أقرأ عليّ " قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : " إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت عليه سورة " النساء " حتى بلغت ( وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال : " أمسك " فإذا عيناه تذرفان . أما المقصود بقوله " ( هؤلاء ) فقد قيل هم كفار قريش فهم وزرا من غيرهم من المشركين وذلك لمعاينتهم النبوة ولما رأوه من الأدلة والمعجزات التي تبرهن على صدق الرسول الكريم ، لكنهم لصلفهم وعنادهم لجوا مستكبرين جاحدين . وقيل : المقصود جميع أمة النبي فهم الذين سوف يقف النبي عليهم شهيدا يوم القيامة ليشهد على أعمالهم لدى العرض والحساب . نسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة .