تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُواْ إنمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( 174 ) } :

المفردات :

من ظهورهم : من أصلابهم .

التفسير :

172 - وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا . . . } الآية .

تمهيد :

تأتي هذه الآيات بعد قصة مع قومه ، وحديث عن بني إسرائيل ، ومن هذه الآية إلى آخر السورة نجد حديثا موضوعه : الربوبية والتوحيد ، والعبودية والشرك ، ويبدأ كل ذلك ببيان ما أودع الله في فطرة البشر ، وعقولهم ، من الاستعداد للإيمان بالله وتمجيده وشكره .

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا . . . . }

لهذه الآية عند المفسرين طريقان أحدهما لفظي ، والثاني معنوي .

التفسير الأول :

مسح الله ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذّر ، وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك الإقرار ، ثم أعادهم إلى ظهرهم أبيهم .

قال الشوكاني في فتح القدير :

أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره ، فاستخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ، وهؤلاء هم عالم الذر . { وأشهدهم على أنفسهم } . أي : أشهد كل واحد منهم ألست بربكم . أي : قائلا : ألست بربكم ؟ .

{ قالوا بلى شهدنا } . أي : على أنفسنا بأنك ربنا .

التفسير الثاني :

الكلام على سبيل المجاز التمثيلي لكون الناس قد فطرهم الله تعالى على معرفته ، والإيمان به ، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته ، ولا إخراج للذرية ، ولا قول ولا إشهاد بالفعل ، بل الأمر تعبيرا عما أودع الله في الفطرة الإنسانية من ركائز الإيمان .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

وقوله : { ألست بربكم قالوا بلى } من باب التمثيل :

ومعنى ذلك : أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم ، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم ، وقال : { ألست بربكم } وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا ، وأقررنا بوحدانيتك ، وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ، وفي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي كلام العرب ، ونظيره قوله تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وقوله تعالى : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا وكرها قالتا أتينا طائعين } .

وقوله :

إذ قالت الأنساع للبطن الحق *** قالت له ريح الصبا فرقار54

ومعلوم أنه لا قول ثم هو تمثيل وتصوير للمعنى .

وقد أيد كل فريق رأيه بأدلة متعددة :

فأصحاب الرأي الأول : أيدوا رأيهم بأحاديث واردة في الصحيحين كما في تفسير أبي السعود وغيره :

جاء في تفسير أبي السعود :

" وقد حملت هذه المقاولة على الحقيقة ، كما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ، مسح ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها يوم القيامة ، فقال ألست بربكم ؟ قالوا بلى : فنودي يومئذ : جف القلم لما هو كائن إلى يوم القيامة " 55 .

ابن كثير جمع بين التفسيرين :

ابن كثير لم ير أن أيا من التفسيرين يعارض الآخر ، من حيث المبدإ ، فقد جبل الله الفطرة على التوحيد ، كما استخرج ذرية آدم من ظهورهم وأشدهم على أنفسهم .

جاء في تفسير ابن كثير :

يختبر الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم ، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه .

قال تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } . ( الروم : 30 ) .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ! " 56

وفي رواية : " كل مولود يولد على هذه الملة " .

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمّار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم ، وحرمت عليهم ما حللت لهم " . 57

وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام ، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم .

روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ قال : فيقول : نعم ، فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " 58 . أخرجاه في الصحيحين .

وروى الإمام أحمد أيضا عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : { وإذ أخذ ربك من بني آدم ظهورهم ذريتهم وأشدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى . . . } الآية .

قال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : " أن الله خلق آدم عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، قال خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . . . . ثم مسح ظهره ، فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون . فقال رجل : يا رسول الله ، ففيم العمل ؟ ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا خلق الله العبد للجنة ، استعمله بأعمال أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة ، وإذا خلق الله العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار " 59 . وهكذا رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال : هذا حديث حسن .

وقال الإمام ابن القيم في كتاب الروح ما خلاصته :

أن الله سبحانه استخرج صور البشر وأمثالهم ، فميّز : شقيهم وسعيدهم ، ومعافاهم من مبتلاهم ، والآثار متظاهرة به مرفوعة ، وأن الله أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته ، واستشهد عليهم ملائكته ، كما تدل على ذلك الآية .

قال أبو إسحاق : جائز أن يكون الله سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به ، كما قال : { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } . ( النمل : 18 ) . وقد سخر مع داود الجبال تسبح معه والطير ، وقال ابن الأنباري : مذهب أهل الحديث وكبراء العلم في هذه الآية : أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم صورة الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون له ، فاعترفوا بذلك وفعلوا .

وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب ، وكما فعل بالبعير لما سجد ، وبالنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت60 . اه .

وقد نقل الإمام ابن كثير طائفة كبيرة من الأحاديث النبوية في تفسير الآية وما يتصل بها ، ثم قال : " ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : أن المراد بهذا الإشهاد : إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في الأحاديث النبوية الشريفة وقد فسر الحسن الآية بذلك " 61اه .

ومجمل معنى الآية :

إن الله تعالى نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته – ومنها أنفسهم – دلائل توحيده وربوبيته ، وركز فيهم عقولا وبصائر ، يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته ، والاستدلال بها على التوحيد والربوبية ، حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى الإيمان بها ؛ سارع إليه .

وقال الأستاذ عبد الكريم الخطيب :

ليس بعجيب أن يكون بيننا وبين الله هذا الموقف ، الذي شهدت أرواحنا ، ولم تشهده أجسامنا . . . كما شهدته المخلوقات جميعا من حي وغير حي ، كما قالت السماوات والأرض أتينا طائعين .

وهذه الشهادة إقرار سابق بولائنا جميعا لله وإيمانا بوحدانيته .

وإن من شأن هذا الإقرار أن يقيم وجوهنا إلى الله بعد أن نلبس هذه الأجساد التي نعيش فيها .

فهذا الإقرار رصيد من الإيمان نستقبل به الحياة ، ونتلاقى به على طريق الإيمان مع دعوة العقل الذي أوجده الله فينا ومع دعوة الرسل الذين أرسلهم الله إلينا .

{ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } .

أي : ليقطع عليكم العذر أن تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن الإيمان بالله والتعرف عليه غافلين ، فذلك عذر غير مقبول . . . إذ كيف تغفلون وفيكم داع يدعوكم إلى الإيمان بالله ، وهي تلك الفطرة التي أشهدها الله عليكم .

وقد نصب الله لكم في كل شيء وفي مخلوقاته ما يدل على وحدانيته ، وأرسل لكم الرسل مبشرين ومنذرين : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } . ( النساء : 165 ) .

فقد بطل عذركم وسقطت حجتكم ،

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } الآية . أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن زيد بن الخطاب أخبره ، عن مسلم بن يسار الجهني ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } الآية . قال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل خلق آدم ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذريةً ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريةً فقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون ، فقال رجل : ففيم العمل يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة ، استعمله بعمل أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار ) ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن . ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر ، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلاً .

قال مقاتل وغيره من أهل التفسير : إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاء كهيئة الذر يتحركون ، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذريةً سوداء كهيئة الذر ، فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريتك ، ثم قال لهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، فقال : للبيض : هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي ، وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود : هؤلاء في النار ولا أبالي ، وهم أصحاب الشمال ، ثم أعادهم جميعاً في صلبه ، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء . قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } [ الأعراف : 102 ] . وقال بعض أهل التفسير : إن أهل السعادة أقروا طوعاً ، وقالوا : بلى ، وأهل الشقاوة قالوه تقيةً وكرهاً ، وذلك معنى قوله : { وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً } [ آل عمران : 83 ] . واختلفوا في موضع الميثاق ، قال ابن عباس رضي الله عنه : ببطن نعمان ، واد إلى جنب عرفة ، وروي عنه أيضاً : أنه بدهناء من أرض الهند ، وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه . وقال الكلبي : بين مكة والطائف . وقال السدي : أخرج الله آدم عليه السلام من الجنة ، فلم يهبطه من السماء ، ثم مسح ظهره ، فأخرج ذريته . وروي : أن الله أخرجهم جميعاً ، وصورهم ، وجعل لهم عقولاً يعملون بها وألسناً ينطقون بها ، ثم كلمهم قبلاً يعني عياناً ، وقال ألست بربكم ؟ وقال الزجاج : وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما تعقل به ، كما قال تعالى : { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } [ النمل :18 ] . وروي أن الله تعالى قال لهم جميعاً : اعلموا أنه لا إله غيري ، وأنا ربكم ، لا رب لكم غيري ، فلا تشركوا بي شيئاً ، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ، ولم يؤمن بي ، وإني مرسل إليكم رسلاً يذكرونكم عهدي وميثاقي ، ومنزل عليكم كتباً ، فتكلموا جميعاً ، وقالوا : شهدنا أنك ربنا ، وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، فأخذ بذلك مواثيقهم ، ثم كتب آجالهم ، وأرزاقهم ومصائبهم ، فنطر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون ذلك ، فقال : رب لولا سويت بينهم ؟ قال : إني أحب أن أشكر ، فلما قررهم بتوحيده ، وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه ، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه ، فذلك قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم } أي : من ظهور بني آدم ذريتهم ، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر : ( ذرياتهم ) بالجمع وكسر التاء ، وقرأ الآخرون ( ذريتهم ) على التوحيد ، ونصب التاء . فإن قيل : ما معنى قوله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم } وإنما أخرجهم من ظهر آدم ؟ قيل : إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد من الآباء في الترتيب ، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه . وأخرجوا من ظهره .

قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ، أي : أشهد بعضهم على بعض .

قوله تعالى : { شهدنا أن تقولوا } ، قرأ أبو عمرو : ( أن يقولوا ) أو يقولوا بالياء فيهما ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما . واختلفوا في قوله : ( شهدنا ) قال السدي : هو خبر من الله عن نفسه ، وملائكته ، أنهم شهدوا على إقرار بني آدم . وقال بعضهم : هو خبر عن قول بني آدم : أشهد الله بعضهم على بعض ، فقالوا : بلى شهدنا ، وقال الكلبي : ذلك من قول الملائكة ، وفيه حذف تقديره : لما قالت الذرية : بلى ، قال الله للملائكة : اشهدوا ، قالوا : شهدنا ، قوله : ( أن يقولوا ) يعني : وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا ، أي : لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا ، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام : أخاطبكم : ألست بربكم لئلا تقولوا ؟

قوله تعالى : { يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ، أي : عن هذا الميثاق والإقرار ، فإن قيل : كيف يلزم الحجة واحد لا يذكر الميثاق ؟ قيل : قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته ، وصدق رسله فيما أخبروا ، فمن أنكره كان معانداً . ناقضاً للعهد . ولزمته الحجة ، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج ، بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 173 وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون } إذ ، في موضع نصب بتقدير الفعل اذكر . و { من ظهورهم } ، بدل من بني آدم{[1572]} ، ذلك إخبار من الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم وخالقهم وأنه لا إله إلا هو ؛ فقد خلق الله الإنسان في الأصل على الفطرة ليجيء مؤمنا موحدا لا يعرف الشرك . لكن الإنسان قد تعثر فيما بعد . وذلك لما تبدلت يفه الفطرة الأصلية السليمة إلى أخرى مقلوبة أو مشهورة تشويها . وذلك بفعل المؤثرات الخارجية الكثيرة وبإيحاء من النوازع الشيطانية من الداخل . لا جرم أن العوامل الخارجية والمؤثرات التي تصطنعها أفكار الشياطين وأقلامهم لقلب الفطرة وتشويهها كثيرة وكبيرة . وهي متعثر متعددة وترى : ولا تقف عند نهاية أو حد بل إنها تزداد على مر الزمن ضراوة وفداحة وخبرة في تدمير الفطرة الأساسية للإنسان . الفطرة السليمة القويمة التي يجيء عليها الإنسان مبرأ من كل الأدران والأوضار النفسية والخلقية . ثم تستحيل فطرته بعد ذلك إلى فطرة ضالة ممسوخة متمردة على الله وعلى منهجه الحق بعد أن كانت سوية مؤمنة مخبتة إلى ربها إخباتا . وذلك كله بفعل العوامل الخبيثة التي برعت في إعدادها وتنشئتها أقلام الشياطين وأدمغتهم التي لا تفتر ولا تني عن الكيد للإنسان كيما ينقلب إلى إنسان مضلل شائه ممسوخ الطبع ، مقلوب الفطرة تمام . إنسان قد تزاحمت فيه ظواهر العتو والاستكبار والاغترار من الداخل فإذا هو عاث كنود بعد أن جيء به إلى هذه الدنيا مبرأ من كل العيوب . وفي هذا المعنى روي الصحيحان عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ) وفي رواية ( على هذه الملة ؛ فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ؛ كما تولد بهيمة جمعاء{[1573]} هل تحسون فيها من جدعاء ) {[1574]} .

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) .

أما كيف أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم ؛ فهو موضع تفصيل كبير نقتضب منه ما قاله كثير من أهل العلم ومنهم الرازي والزمخشري ، وهو أن الله أخرجهم من أصلاب آبائهم ذرية . وكيفية ذلك : أنهم كانوا نطفة فأخرجهم الله تعالى في أرحام الأمهات ، ثم جعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا ، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقه . وبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن ثمة قول منطوق باللسان . وذلك مقتضى قوله سبحانه وتعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } .

وسئل ابن عباس عن تأويل هذه الآية فقال : لما خلق الله آدم عليه السلام أخذ ميثاقه فمسح ظهره فاخذ ذريته كهيئة الذر فكتب أجالهم وأرزقهم ومصائبهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى{[1575]} .

قوله : { أن تقولوا القيامة غنا كنا عن هذا غافلين } { أن تقولوا } ، في موضع نصب مفعول له ؛ أي فعلنا ذلك ، من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول ، كراهة أن تقولوا ، أو لئلا يقولوا{[1576]} . أي خلقكم الله على الفطرة والتوحيد وجعل فيكم كامل الاستعداد للإيمان بالله ثم أشهدكم على أنه خالقكم ومالككم ومعبودكم دون غيره فشهدتم ؛ إذ كنتم على الفطرة صادقين . غير مضللين ولا منحرفين . وذلك لئلا تقولوا يوم القيامة : { إنا كنا عن هذا غافلين } أي كنا غافلين عن وحدانية ربنا فضللنا


[1572]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 379.
[1573]:الجمعاء: الناقة الهرمة. وهي من البهائم: التي لم يذهب من بدنها شيء. انظر القاموس المحيط جـ 3 ص 15.
[1574]:الجدعاء: مقطوعة الأنف. انظر المعجم الوسيط جـ 1ص 110.
[1575]:تفسير الرازي جـ 5 ص 53 والكشاف جـ 2 ص 129 وتفسير الطبري جـ 9 ص 76.
[1576]:تقسير النسفي جـ 2ص 85 والبيان لابن الأنباري جـ 1 ص 379.