{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون( 221 ) }
المشركين : المراد بهم هنا الكافرون مطلقا .
المشركات : المراد بهم الوثنيات ومن لا دين لهم .
ولأمة : الأمة ، المرأة المملوكة .
ما روى الواحد( 184 ) والسيوطي ، والقرطبي نقلا عن مقاتل بن سليمان أن هذه الآية نزلت في أبى مرثد الغنوي واسمه أيمن وفي عناق القريشية ، وذلك أن أبا مرثد كان رجلا صالحا وكان المشركون قد أسروا أناسا بمكة ، وكان أبو مرثد ينطلق إلى مكة مستخفيا فإذا كان الليل أخذ الطريق ، وإذا كان النهار تعسف الجبال لئلا يراه أحد حتى يقدم مكة فيرصد المسلمين ليلا فإذا أخرجهم المشركون للبراز تركوهم عند البراز والغائط ، فينطلق أبو مرثد فيحمل الرجل منهم من عنقه حتى إذا أخرجه من مكة كسر قيده بفهر ويلحقه بالمدينة ، كان ذلك دأبه فانطلق يوما حتى انتهى إلى مكة فلقيته عناق ، وكان يصيب منها في الجاهلية فقالت : أبا مرثد مالك في حاجة ؟ فقال لها : إن الإسلام قد حرم الزنا ، فلما أيست منه ا ، ذرت به كفار مكة فضربوه ضربا موجعا ثم خلوا سبيله ، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفتأذن في تزوجها فإنها لتعجبني فنزلت الآية .
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن . . . }
أي لا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن فنكاحهن وهم مشركات حرام لا ينعقد ويعتبر وطؤهن الزنا .
{ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم }
ولأمة مسلمة يتزوجها المسلم خير من مشركة حرة كانت أم أمة ولو أعجبتكم بجمال أو مال أو حسب أو نسب .
{ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم . . . }
" أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك ، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ، والقراء على ضم التاء من تنكحوا " ( 185 ) .
" والآية تحرم تزويج المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء بكفار ، على أي دين كانوا فلا ينعقد زواج المؤمنة من كتابي أو مشرك أو ملحد " ( 186 ) .
قال تعالى : { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } . ( الممتحنة : 10 ) .
لأن ولاية الأمر للرجل على المرأة ، فيخشى أن يفتنها في دينها أو يزيغها عن عقيدتها أو يفسد منها دون أن تصلح منه . ثم بين علة النهي عن مناكحة المشركين والمشركات فقال :
{ أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه }
أي أولئك المذكورين من المشركين والمشركات يدعون على الكفر المؤدي إلى النار فلا تصاهروهم حتى لا يفتنوكم ويفتنوا ذريتهم ، والله يدعو بواسطة أوليائه من المؤمنين والمؤمنات إلى دواعي الجنة من الإيمان الخالص والعمل المشروع فكيف يلتقيان بالزواج ؟
{ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }
أي ويوضح الأدلة على أحكام شريعته للناس فلا يذكر لهم حكما إلا إذا بين لهم حكمته وأرشدهم إلى فائدته ، والسر في تشريعه ، لعلهم بهذا يعتبرون فإن الأحكام إذا ذكرت بعللها وأدلتها طبعت في النفوس وتقبلتها على الوجه المرضي ، فصارت الأحكام طريقا إلى الهداية والإقبال إلى الله وتهذيب الأرواح وتنقيتها من أدران الذنوب وأكدار المعاصي .
1 . المشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد الآلهة مع الله تعالى وأصله من الشرك بمعنى أن تجعل الشيء بينك وبين غيرك شركة ، فمن يعبد مع الله إلها آخر يعد مشركا وهو في الآخرة من الخاسرين .
ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة مشرك ومشركين ومشركات في القرآن الكريم تعني عبدة الأوثان ، وأنها صارت في استعمال القرآن حقيقة عرفية فيهم ، ولو يطلقها القرآن على اليهود والنصارى ، وإنما عبر عنهم بهذا الاسم أو بأهل الكتاب ، أو بوصف الكفر دون الشرك . وعليه فالمراد بالمشركات والمشركين في الآية عبدة الأوثان . وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية واليهودية والنصرانية .
2 . تفيد الآية أنه لا يحل للمسلم أن يتزوج بمشركة ، ويباح له أن يتزوج كتابية ، كما يحرم زواج المسلمة من غير مسلم . والحكمة أن الرجل ولي الأمر فجاز أن يتزوج الكتابية لأنها تؤمن بالله واليوم الآخر . أما المرأة فيخشى على إيمانها وإسلامها أن تكون تحت رجل من أهل الكتاب .
3 . ذهب الإمامية ، وبعض الزيدية إلى تحريم زواج المسلم من الوثنية واليهودية والنصرانية لأن لفظ المشركات يشملهن جميعا ، وأصحاب هذا الرأي يجعلون آية المائدة : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب . . . }( المائدة : 5 ) منسوخ بالآية التي معنا نسخ الخاص بالعام .
4 . الجمهور على أنه مباح للمسلم أن يتزوج مسيحية أو يهودية بمقتضى قوله تعال : { وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم }( المائدة : 5 ) وتلحظ أن الآية قيدت الإباحة بكون الكتابيات من المحصنات والمراد بهن في أظهر التفاسير العفيفات . فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن في أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون ، خارجون عن موضع الإباحة فينا أحسب ، لأن الله أحل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات .
5 . " إذا رأى ولي الأمر أن هناك خطرا على الدولة الإسلامية أو على المجتمع الإسلامي من إباحة الزواج بالأجنبيات ، فله أن يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لم يقدم عليه سدا للذريعة ومنعا للنشر وذلك من باب السياسة الشرعية لا من باب تحريم ما احل الله لأن الحل قائم على أصله والمنع وأراد على الضرر الذي يلحق بالمسلمين .
" ولذلك سارت بعض الدول العربية على منح بعض من رجالها من الزواج بالأجنبيات " ( 187 ) .
6 . الأصل في زواج الكتابيات أنه مباح ، ويرى بعض العلماء أنه مكروه لأن الكتابيات قد دخل على عقيدتهن التحريف والتغيير ولأن الكتابية لا تدين بالولاء للإسلام ، ولما يخشى على الذرية منها .
7 . ورد في تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم ما يفيد أن بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات ، فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت وطلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين ، وقد كره عمر بن الخطاب زواج المسلمين من الأجنبيات ، لئلا يزهد الناس في المسلمات ولغير ذلك من المعاني .
" قال شقيق : تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر : خل سبيلها فكتب إليه ، أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن " وإسناده صحيح( 188 ) .
" وروى ابن جرير عن عمر بن الخطاب ، قال : المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة " ( 189 ) .
" وروى الحسن عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نتزوج نساء أهل الكتاب ، ولا يتزوجون نساءنا " ( 190 ) .
8 . كان بن عمر يحرم زواج المسلم من النصرانية أو اليهودية لأنها مشركة تقول إن ربها عيسى . ولكن الجمهور على خلاف ذلك الرأي . قال القرطبي : وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من تقول المرأة ربها عيسى . قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ، لأنه قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة جماعة ، منهم عثمان وطلحة وابن عباس ، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وفقهاء الأمصار عليه .
وأيضا فيمتنع أن تكون الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل ، وإنما الآخر ينسخ الأول ويخصصه ، وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه لأن ابن عمر رضي الله عنه كان متوقفا فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل ، وفي أخرى التحريم ، ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تأول عليه وليس يؤخذ الناسخ المنسوخ بالتأويل( 191 ) .
9 . تابع القرطبي مسيرته مؤيدا تحليل الزواج بالكتابيات فقال : " وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر ابن الخطاب ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس ، وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك " ( 192 ) .
10 . وقال بعض العلماء : أما الآيتان فلا تعارض بينهما ، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } . ( البقرة : 105 ) .
وقال : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين }( البينة : 1 ) ففرق بينهم في للفظ وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وأيضا اسم الشرك عموم وليس بنص ، وقوله تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب . . . }( المائدة : 5 ) بعد قوله والمحصنات من المؤمنات نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل( 193 ) .
11 . قال الأستاذ سيد قطب : " الجمهور على تحليل الزواج من الكتابيات ، ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القاتل بالتحريم " ( 194 ) .
ونحن لا نمنع التحريم لاعتبارات مختلفة تدخل في نطاق السياسة الشرعية . قال أستاذي المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى : عندما كنت في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي لها سئلت عن حكم الزواج بالأجنبيات فأفتيت بأنه حرام ، لأني وجدت أن هناك شرطا غير مكتوب خلاصته أن الترقية إلى أي منصب رفيع قاصرة على من تزوج من فرنسية . فأفتيت بتحريم الزواج من الفرنسيات حفاظا على قوة المسلمين .
والخلاصة أن الزواج بالكتابيات جائز ، والجمهور على أنه مباح . وبعض الناس يحرمه والمختار انه مكروه لاعتبارات طارئة فإذا ترتبت عليه المفاسد صار حراما من باب سد الذرائع ومراعاة القواعد الأصولية التي تقول : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } . سبب نزول هذه الآية أن أبا مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، وقال مقاتل : هو أبو مرثد الغنوزي ، وقال عطاء : أبو مرثد كناز بن الحصين وكان شجاعا بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين سراً ، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق ، وكانت خليلته في الجاهلية ، فأتته وقالت : يا أبا مرثد ألا تخلو ؟ فقال لها : ويحك يا عناق ، إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك ، قالت : فهل لك أن تتزوج بي ؟ قال نعم ، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره ، فقالت أبي تتبرم ؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضرباً شديداً ، ثم خلوا سبيله ، فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال : يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها ؟ فأنزل الله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) . وقيل : الآية منسوخة في حق الكتابيات بقوله تعالى ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وبخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبإجماع الأمة .
روى الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " .
فإن قيل : كيف أطلقتم اسم الشرك على من لا ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال أبو الحسن بن فارس : لأن من يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله وغيره ، وقال قتادة و سعيد بن جبير : أراد بالمشركات الوثنيات ، فإن عثمان تزوج نائلة بنت فرافصة ، وكانت نصرانية فأسلمت تحته ، وتزوج طلحة ابن عبيد الله نصرانية ، وتزوج حذيفة يهودية ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : اخل سبيلها . فكتب إليه : أتزعم أنها حرام ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تتعافوا المؤمنات منهن .
قوله تعالى : { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } . بجمالها ومالها ، نزلت في خنساء وليدة سوداء ، كانت لحذيفة بن اليمان قال حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى ، على سوادك ودمامتك فأعتقها وتزوجها ، وقال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها ثم خرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له صلى الله عليه وسلم : " وما هي يا عبد الله ؟ قال : هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وتصوم رمضان ، وتحسن الوضوء وتصلي فقال : " هذه مؤمنة " قال عبد الله : فوالذي بعثك بالحق نبياً لأعتقنها ولأتزوجنها . ففعل ذلك فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : أتنكح أمة ؟ وعرضوا عليه حرة مشركة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } . هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك .
قوله تعالى : { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ، أولئك } . يعني المشركين .
قوله تعالى : { يدعون إلى النار } . أي إلى الأعمال الموجبة للنار .
قوله تعالى : { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه } . أي بقضائه وقدره وإرادته .