تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ} (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ( 2 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ( 4 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( 7 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ( 9 ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 11 ) }

التفسير :

1 ، 2 - قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ .

الفلاح : الظفر بالمراد ، والإفلاح . الدخول في الفلاح ، كالإبشار الدخول في البشارة .

خاشعون : خاضعون متذللون .

هذه سورة ( المؤمنون ) ، وقد بدأت السورة بذكر صفات المؤمنين ؛ وهي :

1 . الخشوع في الصلاة .

2 . البعد عن اللغو .

3 . إيتاء الزكاة .

4 . البعد عن الزنا واللواط والانحراف .

5 . أداء الأمانة .

6 . الوفاء بالعهد .

7 . المحافظة على الصلاة .

وجزاؤهم هو الفردوس الأعلى في الجنة ، وهي منزل سامية تستحق كل تضحية ، فلنتأمل الصفات التي استحقوا بها هذه المنزلة .

الخشوع في الصلاة :

خشوع الصلاة روحها وحقيقتها ، ويقصد به حضور القلب ، والتأمل في تلاوة القرآن ، وفي أداء الأركان ، واليقظة والتفهم لما يؤديه المسلم ، وهو واقف أمام الله تعالى .

جاء في تفسير ابن كثير :

والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها ، واشتغل بها عما عداها ، وآثرها على غيرها ؛ وحينئذ تكون راحة له ، وقرة عين .

روى الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ) ثم قرأ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . حتى ختم العشرii .

وقال النسائي في تفسيره ، عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة أم المؤمنين : كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فقرأت : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . – حتى انتهت إلى وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ . قالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمiii .

إن الفلاح والنجاح والسعادة الحقة في التزام المؤمن بأمر الله ، وتركيز ذهنه في الصلاة ، ومراقبة مولاه ؛ وهو قائم بين يديه ؛ فيتذكر عظمة الله وفضله ، ونعمه عند قراءة الفاتحة ، ويؤدي الركوع في خضوع ، وكذلك يشكر الله ويحمده عند الرفع من الركوع ، ويقيم صلبه في الصلاة حتى يعود كل فقار إلى موضعه ، ثم يسجد على سبعة أعظم ، وهي : الجبهة ، واليدين ، والركبتين ، والرجلين ، ويكون سعيدا بمناجاة الله ومناداته وعبادته ، وإذا سها أو انشغل في الصلاة ، عاد واسترد الخشوع والاستقرار ؛ ومما يساعد على الخشوع ، نظر المصلي إلى موضع سجوده قائما ، وإلى قدميه راكعا ، وإلى حجره جالسا ، وإلى أرنبة أنفه ساجدا ، ويحاول استحضار عظمة الله ومناجاته .

أخرج الإمام أحمد ، والنسائي ، عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( حبب إلي الطيب ، والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة )iv .

وقال أبو الدرداء : الخشوع هو : إخلاص المقال ، وإعظام المقام ، واليقين التام ، وجمع الاهتمام .

/خ11

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ} (2)

قوله تعالى : { الذين هم في صلاتهم خاشعون } اختلفوا في معنى الخشوع ، فقال ابن عباس : مخبتون أذلاء . وقال الحسن وقتادة : خائفون . وقال مقاتل : متواضعون . وقال مجاهد : هو غض البصر وخفض الصوت . والخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن ، والخشوع في القلب والبدن والبصر والصوت ، قال الله عز وجل : { وخشعت الأصوات للرحمن } وعن علي رضي الله عنه : هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً . وقال سعيد بن جبير : هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا مسدد ، أنبأنا أبو الأحوص ، أنبأنا أشعث بن سليم ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال :هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " .

وأخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا أبو علي زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو الحسن القاسم بن بكر الطيالسي ببغداد ، أنبأنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي ، أنبأنا عبد الغفار بن عبيد الله ، أنبأنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال الله مقبلاً على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه " . وقال عمرو بن دينار : هو السكون وحسن الهيئة . وقال ابن سيرين وغيره : هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك . وقال أبو هريرة : " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ، فلما نزل الذين هم في صلاتهم خاشعون رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا علي بن عبد الله ، أنبأنا يحيى بن سعيد ، أنبأنا ابن أبي عروبة ، أنبأنا قتادة أن أنس ابن مالك حدثهم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، فاشتد قوله في ذلك حتى لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم " . وقال عطاء : هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم : " أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه " .

أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أنبأنا أبو محمد الجراحي ، أنبأنا أبو العباس المحبوبي ، أنبأنا أبو عيسى الترمذي ، أنبأنا سعيد ، عن عبد الرحمن المخزومي ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه " . وقيل : الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة ، والإعراض عما سواها ، والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر .