تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّـٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ} (18)

{ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ( 18 ) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 19 ) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ ( 20 ) } .

18

التفسير :

18 - وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ .

السماء : السماء في اللغة : كل ما علاك ؛ والمراد بالسماء هنا : إما السحاب ، فمنه ينزل المطر . وإما السماء المعروفة ، والمقصود من إنزال المطر من السماء ، إنزاله بسببها ؛ فإن المطر أصله أبخرة صاعدة من البحار ، بسبب تسلط حرارة الشمس عليها ، والشمس من السماء .

بقدر : بتقدير خاص ، وهو مقدار كفايتهم .

فأسكناه في الأرض : جعلناه ثابتا قارا في الأرض .

الذهاب : الإزالة ، بأن نحبس المطر عنكم ، أو ننقله إلى جهات أخرى ، أو نجعله يغور في الأرض ، إلى أماكن بعيدة لا تقدرون على استنباطه منها .

أنزلنا من السحاب ماء بتقدير الإله الحكيم ، ليس أكثر من اللازم ؛ فيتحول إلى سيول وطوفان يتلف ويغرق ، وليس أقل من اللازم ؛ فينتشر التصحر ، وتجدب الأرض ، ولكن الله أنزل الماء بقدر حتى إن الأرضين التي تحتاج إلى ماء كثير لزرعها ، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها ، يساق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر ، ويقال لمثلها : ( الأرض الجرز ) فيساق إليها ماء النيل ، من بلاد الحبشة مارا بالسودان ، ويستفيد بهذا الماء الإنسان والحيوان والنبات .

فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ .

جعلنا الماء يستقر في الأرض ، ويخزن فيها ، ومن هذا الماء تنبع العيون والأنهار والآبار .

وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ .

لو شئنا أن نغوره في بعد سحيق لفعلنا ، ولو شئنا أن نحوله إلى ملح أجاج لفعلنا ، ولو شئنا أن نحمله إلى بلاد أخرى لفعلنا ، ولو شئنا أن نمسك إنزاله من السماء لفعلنا ؛ فبقدرتنا ونعمتنا ننزل عليكم المطر ؛ لتستفيدوا به في الزراعة والشرب والطهارة والاغتسال ، وبقدرتنا نحفظ جانبا منه في الأرض ، لتستفيدوا به عند الحاجة .

ومن الواجب على العباد أن يتذكروا هذه النعمة ، وأن يديموا شكر الله عليها ، ويظهر وجه الإعجاز في هذه الآية عندما نلمح أن الحروب القادمة ، ستكون بسبب التنازع على الماء ، وأن أفضال الله على العباد لا حصر لها ولا عدد ، وعندما نقارن بين النطفة وهي تستقر في مكان أمين ، وهو الرحم الذي يحافظ عليها ، وكذلك ماء السماء الذي يستقر في الأرض ، ويستفاد به عند الحاجة ، ويغذي العيون والآبار ؛ نلمح الإعجاز في كلمة : فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ . أي : مكناه في الأرض ؛ وجعلناها له قرارا ومهدا ؛ وسكنا وموئلا ، كما جعلنا رحم الأم سكنا ومهدا ، وموئلا للنطفة حتى يتم تخليقها بقدرة الله العلي القدير .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّـٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ} (18)

قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماءً بقدر } يعلمه الله . قال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة ، { فأسكناه في الأرض } يريد ما يبقى في الغدران والمستنقعات ، ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر . وقيل : فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع ، فماء الأرض كله من السماء ، { وإنا على ذهاب به لقادرون } حتى تهلكوا عطشاً وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم . وفي الخبر : " إن الله عز وجل أنزل أربعة أنهار من الجنة : سيحان ، وجيجان ، ودجلة ، والفرات " . وروى مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار : جيحون ، وسيحون ، ودجلة ، والفرات ، والنيل ، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة ، من أسفل درجة من درجاتها ، على جناحي جبريل ، استودعها الله الجبال ، وأجراها في الأرض ، وجعل فيها منافع للناس ، فذلك قوله عز وجل : { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض } فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن ، والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه ، وهذه الأنهار الخمسة ، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى : { وإنا على ذهاب به لقادرون } فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا " . وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن يوسف ، عن عثمان بن سعيد بالإجازة ، عن سعيد بن سابق الإسكندراني ، عن مسلمة بن علي ، عن مقاتل بن حيان .