من قوة : من كل ما يتقوى به في الحرب .
رباط الخيل : المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدة للقتال .
لا تعلمونهم : لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة .
60 – { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . . } الآية .
انتصر المسلمون في غزوة بدر بفضل الله وعونه ، وأراد القرآن أن ينبه المسلمين ، على وجوب إعداد القوة الحربية والمادية والأدبية والنفسية والمعنوية ، وكل وسائل القوة يجب إعدادها وتجهيزها ؛ فلا شيء يمنع الحرب مثل الإعداد لها .
هيئوا لقتال الأعداء ، وما أمكنكم من أنواع القوى المادية والمعنوية ، من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب ؛ من حصون وقلاع وسلاح .
ويشمل ذلك وسائل القوة الحديثة كالمدافع والبوارج ، والدبابات ، والمصفحات ، والمدرعات ، ودراسة الفنون الحربية الحديثة التي تساعد على توجيه الأسلحة ، وإحكام تصويب القتال والرمي ، فإن النصر متوقف على استخدام القوة المتاحة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
{ رباط الخيل } : هو المكان الذي تربط فيه الخيل عند الحدود ، ليحرس فرسانه الثغور ، ويراقبوا العدو ، وقد كانت الخيول أداة الحرب البرية الرهيبة في الماضي ، وما تزال لها أهميتها أحيانا في الحاضر ، مثل نقل بعض المؤن و الذخيرة في الطرق الجبلية . وإن كان الدور الحاسم اليوم هو لسلاح الطيران ، والمدافع ، والدبابات ، والغواصات البحرية ، المزودة بوسائل التقنية الحديثة ، المساعدة على إحكام الرمي وإصابة الهدف .
ومن الحديث الشريف : " ألا إن القوة الرمي " l .
وقد كان الرمي وسيلة لإصابة أهداف العدو من بعيد ؛ فكل ما يحقق النصر يجب اتخاذه من عدد الحرب ؛ لأن المهم تحقيق الأهداف ، وأما الوسائل والآلات ؛ فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات العصر ، ويكون المقصود إعداد جيش دائم ، مستعد للدفاع عن البلاد ، مزود بأحدث الأسلحة وأقدرها على إحراز النصر . مع التدريب المستمر ، وإنفاق المال على تسليح الجيش ؛ بحسب الطاقة .
وقد خص الله الخيل بالذكر ، وإن كانت داخلة في القوة ؛ تشريفا لها وتكريما ، واعتدادا بأهميتها .
كما ذكر جبريل وميكائيل مع الملائكة تشريفا لهما .
{ ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .
تبين الآية هنا سبب الإعداد وحكمته وهو إرهاب عدو الله وعدو المسلمين ، من الكفار الذين ظهرت عداوتهم . مثل مشركي مكة في الماضي ، وإرهاب العدو الخفي الموالي لهؤلاء الأعداء ، سواء أكان معلوما لنا أم معلوم بل الله يعلمهم ؛ لأنه علام الغيوب ، وهذا يشمل اليهود والنافقين في الماضي ، ومن تظهر عداوتهم مثل فارس والروم ، وسلالتهم ف دول العالم المعاصر .
وقد رجح ابن جرير الطبري أن المراد بقوله تعالى : { لا تعلمونهم الله يعلمهم } . كفار الجن أي : ترهبون بني آدم وترهبون جنسا آخر من غير بني آدم لا ترونهم ولا تعلمونهم ولكن الله يعلمهم ، ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم : المنافقون ؛ فعداوتهم للمؤمنين قد تكون خفية ؛ وهم يتربصون بهم الدوائر ؛ فإذا لاحظوا ضعفا منهم تحرشوا بهم ، ولا شك أن العدو المجاهر والمستخفي إذا عرف قوة استعدادنا الحربي ؛ منعه ذلك من التحرش بنا ، أو التفكير في أن يجرب حظه معنا .
{ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } .
تأتي هذه الفقرة في أعقاب الحث على الإعداد ؛ لبيان أن الإعداد الملائم للحرب يحتاج إلى المال ، والإنفاق منه في سبيل الله ، فبينت الآية : أن أي شيء تقدمونه من مال قل أو كثر ، في إعداد الجيوش أو رعاية المحاربين وأسرهم بما يحتاجون إليه ؛ فإن الله يوفى أجره كاملا للمنافقين ، ويجازيهم عليه على أتم وجه ، ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم ، مهما قلت أو كثرت .
روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" من جهز فقد غزا ، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا " li .
وجاء في رياض الصالحين للإمام النووي عن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف " .
{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } . ( البقرة : 261 ) .
1 – لا يزال الإعداد المادي والمعنوي ، وتجهيز الجيوش الضاربة المقاتلة ؛ هدف كل أمة في القديم والحديث .
2 – سبق القرآن على دعوة المسلمين وتوجيههم إلى إعداد القوة المادية والمعنوية ، وسائر وسائل الحرب الحديثة ؛ حتى يكونوا أعزة أقوياء ، وقد تمسك المسلمون الأولون بذلك ؛ فتقدموا وانتصروا ، ودالت لهم دول الأكاسرة والقياصرة .
3 – إن وضع المسلمين الآن لا يسر الصديق ، ولا يكيد العدو ؛ فبلاد المسلمين تتخطف من حولهم ، ويطمع فيها الأعداء ، والمسلمون متقاعسون عن الجهاد وعن الإنفاق في سبيل الله .
4 – يجب أن تعود معامل الأسلحة وصيانتها إلى بلاد المسلمين ، وأن نعمل بقوله الله تعالى ؛ فنعد العدة التي أمر الله بإعدادها ، ونتلافى ما فرطنا ، ونأخذ بأسباب الوحدة والقوة .
5 – المقصود من إعداد العدة : إرهاب الأعداء ؛ حتى لا يكفروا في الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش المسلمون في ديارهم آمنين مطمئنين .
وليس المقصود من إعداد العدة إرهاب المسلمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو قهر الناس واستغلالهم .
قال تعالى : { ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .
6 – ينبغي أن نعود إلى هدى القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، وسيرة السلف الصالح ، وأن نهجر الهوى والترف ، وأن نبني الأفراد والأسر والمجتمعات بالخلق السليم ، والتربية الصالحة ، والمحضن الصالح ، والمجتمع المتميز ، والجيش القوي .
قال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } . ( الكهف : 30 ) .
قوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ، الإعداد : اتخاذ الشيء لوقت الحاجة . { من قوة } ، أي : من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل و السلاح .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغفار بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ثنا هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ، ثمامة بن شفي أنه سمع عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهو على المنبر : ( { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ) .
وبهذا الإسناد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله عز وجل فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد ابن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا : " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، ثنا حميد ابن زنجويه ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا هشام الدستوائي عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال : حاصرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الطائف فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة ) ، قال : فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر ) .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا أحمد بن منصور الرمادي ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن يحيى بن كثير ، عن زيد بن سلام ، عن عبد الله بن زيد الأزرق ، عن عقبة بن عامر الجهني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة نفر : صانعه ، والممد به ، والرامي في سبيل الله ) .
وروى عن خالد بن زيد ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة : صانعه يحتسب في صنعته الخير ، والرامي به ومنبله ، وارموا واركبوا ، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته ، فإنه من الحق ، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنه نعمة تركها ) أو قال ( كفرها ) . قوله تعالى : { ومن رباط الخيل } ، يعني : ربطها واقتناؤها للغزو . وقال عكرمة : القوة الحصون ، ومن رباط الخيل الإناث .
وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها . وعن أبي محيريز قال : كان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند الشنات والغارات .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا أبو نعيم ، ثنا زكريا ، عن عامر ، ثنا عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، الأجر والمغنم ) . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا علي بن حفص ، ثنا ابن المبارك ، ثنا طلحة بن أبي سعيد قال : سمعت سعيداً المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده ، فإن شبعه ، وريه ، وروثه ، وبوله في ميزانه يوم القيامة ) . أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنبأنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل ثلاثة : هي لرجل أجر ، وهي لرجل ستر ، وهي لرجل وزر ، فأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين ، كانت آثارها وأوراثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ، ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات ، فهي لذلك الرجل أجر ، وأما التي هي له ستر : فرجل ربطها تغنياً وتعففاً ، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها ، فيه له ستر ، وأما التي هي له وزر : فرجل ربطها فخراً ورياءً ، ونواءً لأهل الإسلام ، فهي على ذلك وزر ) وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال : ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } .
قوله تعالى : { ترهبون به } ، تخوفون به .
قوله تعالى : { عدو الله ، وعدوكم وآخرين } ، أي : وترهبون آخرين .
قوله تعالى : { من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } ، قال مجاهد ومقاتل وقتادة : هم بنو قريظة ، وقال السدي : هم أهل فارس ، وقال الحسن وابن زيد : هم المنافقون ، لا تعلمونهم ، لأنهم معكم يقولون : لا إله إلا الله ، وقيل : هم كفار الجن .
قوله تعالى : { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم } ، يوف لكم أجره .