تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ} (26)

المفردات :

يبسط الرزق : يوسعه .

ويقدر : يضيق .

متاع : شيء قليل يتمتع به ، كزاد الراكب .

التفسير :

{ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . . . } .

فهو سبحانه حكيم عليم بما يناسب عباده ، وليس اتساع الرزق كرامة ، ولا نقصانه إهانة ؛ فالأنبياء والأولياء كانوا أكثر بلاء وأشد امتحانا في هذه الدنيا ، وقد نزلت هذه الآية في أهل مكة ، وكانوا على جانب من الغنى والمال ، فنزلت هذه الآية تنهاهم عن الفرح والبطر ، والغرور بالحياة الدنيا ؛ لأنها إلى زوال .

{ وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } .

أي : فرح أهل مكة بما أحرزوا من المال والجاه ، ولم يعملوا لما بعد هذه الحياة ، مع أن متاع الدنيا قليل ، ومتاع الآخرة دائم مستمر ، وليس متاع الدنيا في جانب متاع الآخرة إلا شيئا قليلا ، وليس له بقاء ، كعجالة الراكب وزاد الراعي .

أخرج الترمذي وصححه : عن عبد الله بن مسعود ، قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ؛ فقام ، وقد أثر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله : لو اتخذنا لك وطاء ، فقال : ( مالي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها )xxxi .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ} (26)

ولما تقدم الحث العظيم على الإنفاق ، وأشير إلى أنه من أوثق الأسباب في الوصلة لجميع أوامر الله ، وختم بأن للكافر البعد والطرد{[44113]} عن كل خير والسوء ، كان موضع أن يقول الكفار{[44114]} : ما لنا يوسع علينا مع بعدنا ويضيق على المؤمن مع وصله واتصاله ، وما له{[44115]} لا يبسط له رزقه ليتمكن من إنفاذ ما أمر به إن كان ذلك حقاً ؟ فقيل : { الله } أي الذي له الكمال كله { يبسط الرزق } ودل على تمام قدرته سبحانه وتعالى بقوله -{[44116]} جلت قدرته{[44117]} - : { {[44118]} لمن يشاء{[44119]} } فيطيع في رزقه أو يعصي{[44120]} { ويقدر } على من{[44121]} يشاء فيجعل رزقه بقدر ضرورته فيصبر أو يجزع لِحكَم دقت{[44122]} عن الأفكار ، ثم يجعل ما للكافر سبباً في خذلانه ، وفقر المؤمن موجباً لعلو شأنه ، فليس الغنى مما يمدح به ، ولا الفقر مما يذم به{[44123]} ، وإنما يمدح ويذم بالآثار .

ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من أخلصه الله{[44124]} وهم أقل من القليل ، قال عائباً لمن اطمأن إليها : { وفرحوا } أي فبسط لهؤلاء الرزق فبطروا وكفروا وفرحوا { بالحياة الدنيا } أي بكمالها ؛ والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى . ولما كانت الدنيا متلاشية في جنب الدار التي ختم بها للمتقين ، قال زيادة في الترغيب والترهيب{[44125]} : { وما الحياة الدنيا في الآخرة } أي في جنبها { إلا متاع * } أي{[44126]} حقير متلاش ؛ قال الرماني : والمتاع : ما يقع به الانتفاع في العاجل ، وأصله : التمتع وهو التلذذ بالأمر الحاضر .


[44113]:سقط من ظ و م ومد.
[44114]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الكافر.
[44115]:زيد من م.
[44116]:سقط من ظ و م ومد.
[44117]:سقط من ظ و م ومد.
[44118]:تكرر في الأصل فقط بعد " يبسط الرزق".
[44119]:تكرر في الأصل فقط بعد " يبسط الرزق".
[44120]:في ظ: يعطى.
[44121]:في ظ: ما.
[44122]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: وقت.
[44123]:زيد من ظ و م ومد.
[44124]:زيد بعده في الأصل: به، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[44125]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد.
[44126]:زيد من ظ و م ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ} (26)

قوله تعالى : { اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ } } { يَبْسُطُ الرِّزْقَ } أي يوسعه{[2351]} .

الله هو الرزاق الذي يوسع على عباده فيعطيهم من رزقه ما يشاء سواء فيهم المؤمنون والكافرون { وَيَقَدِرُ } أي يقتر . وذلك في مقابل بسطه الرزق للناس . وذلك يفضي إلى التفاوت في أرزاق الناس ؛ فيكون فيهم الأغنياء والفقراء ؛ تحقيقا لمزية التكامل بين الأفراد في المجتمع الإسلامي .

قوله : { وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الضمير عائد على الظالمين الذين ينقضون العهود والمواثيق ؛ فقد فرحوا بطرا بما أتوه من بسطة في المال والرزق فلم يشكروا الله على ما أنعم عليهم وآتاهم من فضله بل كانوا لاهين غافلين عن الله وعن دينه وما شرعه لهم ، وقد استحوذ على قلوبهم حب الدنيا وما فيها من زخرف ومال ، فألهاهم ذلك عن الموعظة والاعتبار وذكر اليوم الآخر حتى أحاطت بهم المعاصي .

قوله : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ } أي ليست الدنيا هذه بنعيمها وزخرفها وبهجتها في جنب النعيم الأخروي إلا النزر اليسير ، فما يتمتع به الناس في حياتهم الدنيا من مال وخيرات وشهوات ليس إلا القليل الزائل ؛ فهو قليل حقير بالغ الهوان . وهو كذلك ذاهب داثر ما يلبث أن يزول ويفني . وفي الحديث مما رواه مسلم وأحمد عن المستورد أخي بني فهر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم ؛ فلينظر بما ترجع ) .


[2351]:البحر المحيط جـ 5 ص379 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 511.