تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (110)

{ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم110* يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون111 } .

المفردات :

من بعد ما فتنوا : عذبوا وأوذوا ، وأصل الفتن : إدخال الذهب في النار ؛ لتظهر جودته من رداءته ، ثم استعمل في المحنة والابتلاء يصيب الإنسان . .

110

التفسير :

110 { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } .

تتحدث الآية عن مؤمنين كانوا مستضعفين بمكة ، فلما اشتد عليهم العذاب ؛ والوا قومهم ، وتكلموا في الظاهر بما يرضي المشركين ، ثم هاجروا بعد ذلك إلى المدينة ، وحسن إسلامهم وبلاؤهم .

والمعنى : ثم إن ربك يا محمد ، لهؤلاء المهاجرين الذين امتحنوا بمكة ، ثم هاجروا إلى المدينة ، وجاهدوا مع المؤمنين ، وصبروا وصابروا ، ودفعوا ضريبة الإيمان ، من التضحية والفداء ؛ إن ربك يا محمد من بعد هذه المواقف { لغفور رحيم } . يغفر لهم موالاة الكافرين بمكة ، ويرحم ضعفهم ، ويجزل مثوبتهم ، فقد أتبعوا السيئة بالحسنة ، وعوضوا ما فاتهم ، وقاموا بجهد مبارك مع المسلمين .

رأي آخر

قال الآلوسي :

وقرأ ابن عامر : { من بعدما فتنوا } ، بالبناء للفاعل ، وهو ضمير المشركين عند غير واحد ، أي : عذبوا المؤمنين كالحضرمي ، أكره مولاه " جبرا " حتى ارتد ، ثم أسلما وهاجرا . .

والمعنى : إن مغفرة لله تكون للمشرك الذي فتن المؤمنين ، ثم هاجر وجاهد وصبر ؛ فإن الإسلام يجب ما قبله ، وإن مغفرة والله ورحمته لكل من طرق بابه ، وقد كان خالد بن الوليد من أبطال المشركين ، وقد نال من المؤمنين في معركة أحد ، حيث شاهد الرماة قد تركوا أماكنهم في ظهر المعركة ، فأخذ جماعة من رجال المشركين ، وانقض على المسلمين من الخلف ، وأعمل السيف في مؤخرة الجيش ، فاحتل نظام الجيش ، وصار المسلمون يقتل بعضهم بعضا ، ولما أسلم خالد بن الوليد ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يغفر لي تلك المشاهد التي شهدتها عليك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أما علمت أن الإسلام يجبّ ما قبله ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (110)

ولما قدم الفاتن والمفتون ، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال تعالى : بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك : { ثم إن ربك } ، أي : المحسن إليك بالعفو عن أمتك ، وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ارتد بلسانه أو قلبه ، { للذين هاجروا } ، أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه .

ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان ، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى مبيناً أن الفتنة بالأذى - وإن كان بالغاً - غير قادحة في الهجرة وما تبعها ، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى { من بعد ما فتنوا } بالبناء للمجهول - على قراءة الجماعة ، لأن المضر هو الفتنة مطلقاً ، وللفاعل على قراءة ابن عامر ، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا كفاراً ، أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر ، أو في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم ، { ثم جاهدوا } ، أي : أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبة إلى الله تعالى ، { وصبروا } على ذلك إلى أن ماتوا عليه ، { إن ربك } ، أي : المحسن إليك بتسخير من هذه صفاتهم لك .

ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك ، وأن يعذب عليها كلها وعلى بعضها ، وأن يقبل الصالح كله ، وأن يرد بعضه ، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى : { من بعدها } ، أي : هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك الفاسدة : وهي الفتنة . { لغفور } ، أي : بليغ المحو للذنوب ، { رحيم * } ، أي : بليغ الإكرام ، فهو يغفر لهم ويرحمهم .