فلا تضربوا لله الأمثال : لا تجعلوا له الأنداد والنظراء ؛ فهو كقوله : { فلا تجعلوا لله أندادا }( البقرة : 22 ) ، وضرب المثل للشيء ، ذكر الشبيه له والمثيل ، مع أنه سبحانه منزه عن ذلك ، قال تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }( الشورى : 11 ) .
{ فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } . أي : ليس لله مثال حتى تضربوا له الأمثال ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ( الشورى : 11 ) .
ورد : أن المشركين كانوا يقولون : إن إله العالم أجلّ من أن يعبده الواحد منا ، فكانوا يتوسلون إليه بالأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك . اه .
فالله سبحانه : أقرب إلينا من حبل الوريد ، وقد فتح بابه للداعين والتائبين ، والقاصدين في كل وقت وحين ، وهو سبحانه يقبل عباده ، الغني والفقير ، والكبير والصغير ، والسوقة والأمير ، والمذنب والطائع ، فلا يجوز أن تقاس أحوال الخلائق على أحوال الخالق ، قال تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }( البقرة : 186 ) .
أخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس أنه قال : { فلا تضربوا لله الأمثال } . أي : لا تجعلوا معي إلها غيري ، فإنه لا إله غيري . اه .
{ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } . إن الله يعلم كنه ما تفعلون من الإجرام ، وعظيم الآثام ، وأنتم لا تعلمون حقيقته ، ولا مقدار عقابه ، أو إن الله هو الذي يعلم كيف تضرب الأمثال ، وأنتم لا تعلمون ذلك .
ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه ، وضربوه من الأمثال ، فيما ارتكبوه من قولهم : إن الملك لا يتوصل إليه إلا بأعوان ، من حاجب ونائب ونحو ذلك ، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان ، فعبدوا الأصنام ، وفعلوا لها ما يفعل له تشبيهاً به عز شأنه ، وتعالى سلطانه ؛ لأن الفرق : أن ملوك الدنيا المقيس عليهم ، إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم ، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يشغله شأن عن شأن ، وكل شيء في قبضته ، وتحت قهره وعظمته ، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى : { فلا تضربوا لله } ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة ، { الأمثال } ، أي : فتشبهوه تشبيهاً بغيره ، وإن ضرب لكم هو الأمثال ؛ قال أبو حيان وغيره : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : لا تشبهوه بخلقه - انتهى . وهو - كما قال في الكشاف - : تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به ؛ لأن من يضرب الأمثال ، مشبه حالاً بحال ، وقصة بقصة - انتهى . وهذا النهي عام في كل مثل ؛ لخطر الأمر ، خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره ، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، لا سيما في هذا ؛ لأن الخطأ فيه كفر ، ويدل على ذلك تعليل الحكم ، بقوله تعالى : { إن الله } ، أي : الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ، { يعلم } ، أي : له جميع صفة العلم ، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه ، بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له ، { وأنتم لا تعلمون * } ، أي : ليس لكم علم أصلاً ، فلذلك تعمون عن الشمس ، وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس ، وهذا المقام عال ومسلكه وعر ، وسالكه على غاية من الخطر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.