تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

77

المفردات :

الأفئدة : واحدها : فؤاد ، وهي القلوب التي هيأها الله للفهم ، وإصلاح البدن .

التفسير :

{ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } .

يذكر الحق سبحانه : نعمة جديدة ، هي نعمة الخلق ، وتكوين الجنين في بطن أمه ، ثم خروجه إلى الحياة لا يعلم شيئا ، فشق الله له للسمع أذنين ، وللنظر عينين ، وللبطش يدين ، وللمشي رجلين ، ووهبه العقل والفؤاد ، وأمده بأجهزة متعددة ، كالجهاز العصبي والجهاز اللمفاوي والجهاز الهضمي ، ويسر له سبل الحياة ؛ ليختار الهدى أو الضلال .

قال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا* إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }( الإنسان : 3 ، 2 ) .

وقد خلق الله الجوارح للإنسان ؛ حتى ييسر عليه شئون الحياة ، فالسمع : ييسر له سماع الوحي والمواعظ ، والأخبار والعلوم والآداب ، والنظر : يتأمل به في ملكوت السماوات والأرض ، ويشاهد المشتريات فيأخذ الحسن ويترك الردئ ، والرجل : يمشي بها إلى الخير والرياضة ، والدراسة والصلاة ، واليد : يأخذ بها الكتب ويمسك بالقلم ويتعلم ويعلم ، وبهذه الجوارح يعبد الله وينفع وينتفع ، وإذا أطاع العبد ربه ؛ بارك له في صحته وعافيته ، ويسر له استخدامها فيما يفيد البلاد والعباد ، وهذا هو شكر النعمة ، أي : استخدام الجوارح فيما خلقت له .

روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب عبدي إلي بشيء أفضل مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن ؛ يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولابد له منه )52 . وفي هذا الحديث دليل على معونة الله للصالحين ، وبركاته للمتقين ، حتى إنه يجعل سلوكهم موفقا ، وأعمالهم هادفة ، وتفكيرهم سليما ، وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }( الملك : 23 ) .

{ لعلكم تشكرون } . أي : رجاء أن تشكرون باستعماله نعمه ، فيما خلقت لأجله ، وتتمكنوا بها من عبادته ، وتستعملوا كل جارحة في الخير والعمل النافع ومساعدة عباد الله ، لكن بعض الناس هو الذي يفلح في أداء هذه الرسالة ، وقليل منهم هو الذي يشكر الله على نعمة هذه الجوارح ، ويرى آخرون أن الناس جميعا يشاركونهم في هذه النعمة ، ويريدون ألا يشكروا إلا على نعمة خاصة به ، مع أن كل إنسان يرى نفسه أعقل الناس ، ويرى أن رأيه أفضل الآراء ، فلماذا لا يشكر الله على هذه النعمة ، التي يرى نفسه مختصا بها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف على قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } ، ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له العظمة كلها ، { أخرجكم } ، بعلمه وقدرته ، { من بطون أمهاتكم } ، والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق ، بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج : { لا تعلمون شيئاً } من الأشياء قل أو جل ، وعطف على { أخرجكم } ، قوله : { وجعل لكم } بذلك أيضاً { السمع والأبصار والأفئدة } ، آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً ، قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعهما دون السمع ؛ لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة ، هي : القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن ، بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ، { لعلكم تشكرون * } ، أي : لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم ، لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول ، أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد ، عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، فاعل بالاختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه .