الأفئدة : واحدها : فؤاد ، وهي القلوب التي هيأها الله للفهم ، وإصلاح البدن .
{ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } .
يذكر الحق سبحانه : نعمة جديدة ، هي نعمة الخلق ، وتكوين الجنين في بطن أمه ، ثم خروجه إلى الحياة لا يعلم شيئا ، فشق الله له للسمع أذنين ، وللنظر عينين ، وللبطش يدين ، وللمشي رجلين ، ووهبه العقل والفؤاد ، وأمده بأجهزة متعددة ، كالجهاز العصبي والجهاز اللمفاوي والجهاز الهضمي ، ويسر له سبل الحياة ؛ ليختار الهدى أو الضلال .
قال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا* إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }( الإنسان : 3 ، 2 ) .
وقد خلق الله الجوارح للإنسان ؛ حتى ييسر عليه شئون الحياة ، فالسمع : ييسر له سماع الوحي والمواعظ ، والأخبار والعلوم والآداب ، والنظر : يتأمل به في ملكوت السماوات والأرض ، ويشاهد المشتريات فيأخذ الحسن ويترك الردئ ، والرجل : يمشي بها إلى الخير والرياضة ، والدراسة والصلاة ، واليد : يأخذ بها الكتب ويمسك بالقلم ويتعلم ويعلم ، وبهذه الجوارح يعبد الله وينفع وينتفع ، وإذا أطاع العبد ربه ؛ بارك له في صحته وعافيته ، ويسر له استخدامها فيما يفيد البلاد والعباد ، وهذا هو شكر النعمة ، أي : استخدام الجوارح فيما خلقت له .
روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب عبدي إلي بشيء أفضل مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن ؛ يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولابد له منه )52 . وفي هذا الحديث دليل على معونة الله للصالحين ، وبركاته للمتقين ، حتى إنه يجعل سلوكهم موفقا ، وأعمالهم هادفة ، وتفكيرهم سليما ، وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }( الملك : 23 ) .
{ لعلكم تشكرون } . أي : رجاء أن تشكرون باستعماله نعمه ، فيما خلقت لأجله ، وتتمكنوا بها من عبادته ، وتستعملوا كل جارحة في الخير والعمل النافع ومساعدة عباد الله ، لكن بعض الناس هو الذي يفلح في أداء هذه الرسالة ، وقليل منهم هو الذي يشكر الله على نعمة هذه الجوارح ، ويرى آخرون أن الناس جميعا يشاركونهم في هذه النعمة ، ويريدون ألا يشكروا إلا على نعمة خاصة به ، مع أن كل إنسان يرى نفسه أعقل الناس ، ويرى أن رأيه أفضل الآراء ، فلماذا لا يشكر الله على هذه النعمة ، التي يرى نفسه مختصا بها .
ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف على قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } ، ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له العظمة كلها ، { أخرجكم } ، بعلمه وقدرته ، { من بطون أمهاتكم } ، والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق ، بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج : { لا تعلمون شيئاً } من الأشياء قل أو جل ، وعطف على { أخرجكم } ، قوله : { وجعل لكم } بذلك أيضاً { السمع والأبصار والأفئدة } ، آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً ، قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعهما دون السمع ؛ لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة ، هي : القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن ، بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ، { لعلكم تشكرون * } ، أي : لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم ، لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول ، أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد ، عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، فاعل بالاختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.