تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (79)

المفردات :

جو السماء : الهواء المتباعد بين الأرض والسماء .

التفسير :

{ ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } .

ألم يشاهدوا الطير مرتفعات في جو السماء ، وفي طبقات الجو العالية ، قد يسر الله لها هذا الطيران ، فلا شيء يجذبها إلى أعلا ، ولا طريق تحتها يحفظها ، وإنما علمتها القدرة الإلهية أن تحرك أجنحتها ، حتى تتماسك في السماء بيد القدرة الإلهية ، التي أودعت في كل شيء ما تقوم به حياته ، وهذا المنظر لأسراب الطير منظمة ، في سرب بديع عجيب ، منظر يثير الدهشة والتأمل ، في قدرة القدير ، وجمال هذا الكون وتناسقه ، لكن الألف والعادة جعلت الناس ينظرون ، ولا تتحرك عندهم مشاعر الإيمان ، والإحساس بالنظام والتناسق والإبداع ، { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون }( يوسف : 105 ) .

إن في هذا الأمر آيات ودلائل لقوم يؤمنون ؛ بأن يد القدرة الإلهية هي التي سخرت هذا الكون ، وأبدعت نظامه ، فالهواء والفضاء ، وحركة الطير وقوانين الجاذبية ، كلها مسخرة بيد القدير ، الذي أبدع كل شيء خلقه ، إن في هذا التسخير والإبداع آيات وعلامات ، لمن تحرك في قلبه الإيمان بالله ، واليقين بقدرته وعظمته :

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (79)

ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده لا الطبائع ولا غيرها ، دلهم على ذلك مضموناً إلى ما مضى بقوله مقرراً لهم : { ألم يروا } بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين ؛ لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض فقط ، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك ، { إلى الطير مسخرات } ، أي : مذللات للطيران ، بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره ، { في جو السماء } ، في الهواء بين الخافقين ، بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه ، مع مشاركتكم لها في السمع والبصر ، وزيادتكم عليها بالعقول ، فعلم قطعاً ما وصل بذلك من قوله : { ما يمسكهن } ، أي : في الجو عن الوقوع .

ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة ، ولهم وقع عظيم في قلوب الناس ، عبر بالاسم الأعظم ، إشارة إلى أنه لا يقوى على رد شبههم إلا من أحاط علماً بمعاني الأسماء الحسنى ، فكان متمكناً من علم أصول الدين ، فقال : { إلا الله } ، أي : الملك الأعظم ؛ لأن نسبتكم وإياها إلى الطبيعة واحدة ، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم ؛ ثم نبههم على ما في ذلك من الحكم بقوله : { إن في ذلك } ، أي : الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة ، والإنعام عليكم بما ليس لها ، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها عنكم ، { لآيات } ، ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه ، قال تعالى : { لقوم يؤمنون * } ، أي : هيأهم الفاعل المختار للإيمان .