تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (77)

{ ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير77 والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون 78 ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون79 } .

المفردات :

غيب السماوات والأرض : جميع الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين ، التي لا سبيل إلى إدراكها حسا ، ولا إلى فهمها عقلا .

الساعة : الوقت الذي تقوم فيه القيامة ، سميت بذلك ؛ لأنها تفجأ الإنسان في ساعة ما ، فيموت الخلق بصيحة واحدة .

لمح البصر : التحرك السريع لطرف العين من جهة إلى جهة ، أو من أعلى إلى أسفل .

77

التفسير :

77 { ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير } .

الله سبحانه وتعالى استأثر بالغيب ، ومعرفة موعد قيام الساعة ، ومتى ينزل الغيث ، وهو العليم بالجنين : عمره ورزقه وسلوكه ، والإنسان لا يعلم ماذا يكسب غدا ، ولا يعلم بأي أرض يموت ، إنها أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها ، ويتقدم العلم ، ولكن أعلم العلماء لا يدري متى يفارق هذه الحياة ، قال تعالى : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير }( لقمان : 34 ) .

فهو سبحانه تنكشف أمامه جميع الموجودات ، انكشافا تاما دون سبق خفاء ، وهو سبحانه واسع العلم يسمع كل شيء ويرى كل شيء ، { إن الله سميع بصير } .

{ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } .

قدر الله تعالى أن تنتهي الحياة الدنيا في وقت ما ، فيموت الناس جميعا ، إلا من شاء الله ، ثم يبعث الله الناس للحساب والجزاء ، حتى يوفى كل إنسان جزاء ما عمل ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

قال تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون }( الزمر : 68 ) .

وهذا البعث والحشر والحساب والجزاء ، هين على الله تعالى ، فهو الذي بدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه .

{ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } . أي : ليس مجئ القيامة وشأنها في سرعة المجئ ، إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، أو هو أقرب من ذلك وأسرع ؛ لأن الأمر بيد الإله القادر ، { إنما أمره إذا أردا شيئا أن يقول له كن فيكون }( يس : 82 ) .

قال تعالى : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر }( القمر : 50 ) . أي : فيكون ما يريده الله كطرف العين .

وكان أهل مكة ينكرون البعث ، ويستبعدون ذلك ؛ لأن الإنسان يصير ترابا رميما ، أبعد ما يكون عن الحياة ، فبين الله : أن أمر الساعة يسير هين كلمح البصر .

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم* قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } ( يس : 79 ، 78 ) .

وفي ختام الآية يقول الله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } . أي : إن الله لا يعجز قدرته شيء ، سواء أكان هذا الشيء يتعلق بأمر قيام الساعة ، في أسرع من لمح البصر ، أو بغير ذلك من أشياء ، فهو سبحانه فعال لما يريد ، { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون }( يس : 82 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (77)

ولما تم هذان المثلان ، الدالان على تمام علمه وشمول قدرته ، القاضيان بأن غيره عدم ، عطف على قوله : { إن الله يعلم } ، قوله مصرحاً بتمام علمه وشمول قدرته : { ولله } ، أي : هذا علم الله في المشاهدات الذي علم من هذه الأدلة أنه مختص به ، ولذي الجلال والإكرام وحده { غيب السماوات والأرض } ، كما أن له وحده شهادتهما ، فما أراد من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على الشهادة من الساعة التي تنكرونها استعظاماً لها ، ومن غيرهما بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما ، { وما أمر الساعة } ، وهي : الوقت الذي يكون فيه البعث ، على اعتقادكم أنها لا تكون ؛ استبعاداً لها واستصعاباً لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه ، ولذا عبر عنه بالساعة ، { إلا كلمح البصر } ، أي : كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أيّ بصر كان ، { أو هو أقرب } ، وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم ، وأما بالنسبة إليه سبحانه ، فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف ، وتقصر عنه العقول ، ولا شك فيه ولا تردد ، ولذلك علله بقوله تعالى : { إن الله } ، أي : الملك الأعظم ، { على كل شيء } ، أي ممكن { قدير * } .