تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (76)

73

المفردات :

أحدهما أبكم : البكم : الخرس ؛ وهو إما ناشئ من صمم خلقي ، وإما لسبب عارض ، ولا علة في أذنيه ، فهو يسمع ، لكن لسانه معتقل لا يطيق الكلام ، فكل من ولد غير سميع فهو أبكم ؛ لأن الكلام بعد السماع ، ولا سماع له .

الكل : الغليظ الثقيل من قولهم : كلت السكين ، إذا غلظت شفرتها فلم تقطع ، وكل عن الأمر : ثقل عليه فلم يستطع عمله ، وقد يسمى اليتيم : كلا ؛ لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر :

أكول لمال الكل قبل شبابه *** إذا كان عظم الكل غير شديد

فالكل هو الإنسان الضعيف العاجز ، الذي يكون محتاجا إلى من يرعى شئونه .

على صراط مستقيم : أي : طريق عادل غير جائر .

التفسير :

{ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } .

يصور هذا المثل رجلين :

أحدهما : أبكم بليد ضعيف لا يسمع ، ولا يسمع ، وهو عاجز عن خدمة نفسه ، فضلا عن خدمة غيره ، وهو مثال للصنم المصنوع من خشب أو نحاس ، وهو في حاجة إلى من يحمله وينظفه ويعنى به ، وترى أن النموذج لرجل فاقد الحيلة ، محتاج إلى مولى يرعاه وينفق عليه ، وعاجز عن إنجاز أي مهمة .

{ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } . أي : هل يستوي الأبكم الأصم العاجز الضعيف ، برجل سليم الحواس عاقل ، ينفع نفسه وينفع غيره ، يأمر الناس بالعدل وهو على سيرة صالحة ودين قويم ، هل يستويان ؟ ! .

ولا يسوِّى عاقل بين هذا وذاك ، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر ، وبين الله سبحانه وتعالى ، وهو القادر العليم ، الآمر بالمعروف ، الهادي إلى الصراط المستقيم51 .

ويمكن أن تكون هذه النماذج ؛ لبيان الفرق الشاسع ، بين المؤمن الذي هو على بصيرة من أمره ، وبين الكافر الذي استجلب العمى على الهدى ، أو بين الحق في وضوحه وجماله وجلاله ، وبين الباطل في ظلامه وقبحه .

وبهذه الأمثلة ؛ تكون السورة قد ساقت أعظم الأدلة ، وأوضحها على صحة قوله تعالى قبل ذلك : { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد . . . } ( النحل : 51 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (76)

ولما انقضى هذا المثل كافياً في المراد ، ملزماً لهم ؛ لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله ، في قولهم : " لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك " ، وكان ربما كابر مكابر فقال : إنهم ليسوا ملكاً له ، أتبعه مثلاً آخر لا تمكن المكابرة فيه ، فقال تعالى : { وضرب الله } ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة أيضاً ، { مثلاً } ثم أبدل منه : { رجلين } ، ثم استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى : { أحدهما أبكم } ، أي : ولد أخرس ؛ ثم ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يَفهم ولا يُفهِم ، بقوله : { لا يقدر على شيء } ، أي : أصلاً ، { وهو كل } ، أي : ثقل وعيال ، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من النفوذ ، كلت السكين ، كلولاً : إذا غلظت شفرتها فلم تقطع ، وكل لسانه : إذا لم ينبعث في القول ، لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني ، { على مولاه } ، الذي يلي أمره ؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى : { أينما يوجهه } ، أي : يرسله ويصرفه ذلك المولى ، { لا يأت بخير } ، وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم .

ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد ، -الذين لا قدرة لهم على شيء ما- ، بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً ، حسن كل الحسن توبيخهم والإنكار عليهم ، بقوله تعالى : { هل يستوي هو } ، أي : هذا المذكور ، { ومن } ، أي : ورجل آخر على ضد صفته ، فهو : عالم ، فطن ، قوي ، خبير ، مبارك الأمر ، ميمون النقيبة ، { يأمر } بما له من العلم والقدرة ، { بالعدل } ، أي : ببذل النصيحة لغيره ، { وهو } ، في نفسه ظاهراً وباطناً ، { على صراط } ، أي : طريق واضح واسع ، { مستقيم } ، أي : عامل بما يأمر به ، وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن ، وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته .