ثم حض الله تعالى عباده على الإنفاق في سبيله ووعدهم على ذلك الثواب فقال تعالى :
{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
و " المثل " الشبه والنظير ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه لمورده الذي ورد فيه أولا ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة وعلى المعنى يحمل المثل في هذه الآية .
و " الحبة " كما يقول القرطبي- اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب .
و " سنبلة " بوزن فنعلة- من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه والجمع سنابل .
و المعنى مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أي في طاعته كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة أصابها الغيث فخرجت الحبة على هيئة زرع قوي جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإنباتها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .
فأنت ترى أن الخالق عز وجل قد شبه حال الصدقة التي يبذلها المؤمن في سبيل الله فيكافئه الله تعالى عليها بالثواب العظيم بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع الشعب في كل شعبة سنبلة وفي كل سنبلة مائة حبة وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على الإنفاق في وجوه الخير ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل الله .
قال ابن كثير : وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله تعالى لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة " ( 22 ) .
و قال سبحانه : { كمثل حبة انبتت } فأسند الإنبات إلى الحبة مع ان المنبت في الحقيقة هو الله وذلك لأنها سبب لوجود تلك السنابل الميتة بالحبات ولأنها هي الأصل لما تولد عنها .
ثم قال تعالى : والله يضاعف لمن يشاء أي والله تعالى يضاعف الثواب والجزاء أضعافا كثيرة لمن يشاء من عباده فيعطي بعضهم سبعمائة ضعف ويعطي بعضهم اكثر من ذلك لان الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق فمتى خرجت منه بنية خالصة وقلب سليم ونفس صافية ومن مال حلال ووضعت في موضعها المناسب متى كانت كذلك كان الجزاء عليها أوفر والمضاعفة تزيد على سبعمائة ضعف إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود ، وثوابه ليس له حساب محدود .
و لذا ختم سبحانه الآية بقوله : { و الله واسع عليم } أي والله تعالى عطاؤه واسع وجوده عميم وفضله كبير وهو تعالى عليم بنيات عباده وبأقوالهم وبسائر شؤونهم فيجازي كل إنسان على حسب نيته وعمله .
ولما انقضى{[12753]} جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها{[12754]} والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع{[12755]} فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله :{ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له{[12756]} }[ الحديد : 11 ] نظراً{[12757]} إلى أول السورة تذكيراً بوصف المتقين حثاً عليه ، فضرب لذلك مثلاً صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق في المقيد و{[12758]}تلويحه الذي هو{[12759]} من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء{[12760]} ، فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو من جليل{[12761]} العزة ، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء لما قبله من نشر الأموات ، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس ، وذلك من دقيق{[12762]} الحكمة ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن خليلي عليه الصلاة والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهّلته لامتطاء درجة{[12763]} أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء{[12764]} الأطيار وأقمت نمطاً من ذلك لعامة الخلق مطوياً في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه وتعالى : { مثل } فكان كأنه قيل :{ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً }[ الحديد : 11 ] { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا{[12765]} }[ البقرة : 254 ] فإنه مثل{[12766]} { الذين ينفقون } أي يبذلون{[12767]} { أموالهم } بطيب نفس { في سبيل الله } أي {[12768]}الذي له الكمال كله{[12769]} كمثل زارع مثل ما ينفقون { كمثل حبة } مما زرعه . قال الحرالي : من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية{[12770]} كونه طعاماً للآدمي الذي هو أتم الخلق ، فالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة إدامية { أنبتت } أي بما جعل{[12771]} الله سبحانه وتعالى لها من قوة الإنبات بطيب أرضها واعتدال ريها{[12772]} { سبع سنابل } بأن تشعب منها سبع شعب{[12773]} في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل . قال الحرالي : وهو مجتمع الحب في أكمامه ، كأنه آية{[12774]} استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم ، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته { في كل سنبلة مائة حبة } فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها . قال الحرالي : فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله {[12775]}وذكر السبع لما فيه من التمام{[12776]} بالحرث الذي هو كيميا عباده{[12777]} يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلاً ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد{[12778]} من الحب ، فكان ما ذكر{[12779]} تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من التكثير ، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع ، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر ، فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف ، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى .
فالآية من الاحتباك وتقديرها : مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها ، فذكر المنفق أولاً دليل{[12780]} على {[12781]}حذف الزارع{[12782]} ثانياً ، وذكر الحبة ثانياً دليل على حذف النفقة أولاً .
ولما كان التقدير : فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق نفقته ، عطف عليه قوله : { والله يضاعف لمن يشاء } بما له من السعة في القدرة وكل صفة حسنى { والله } أي بما له من الكمال في كل صفة { واسع } لا يحد{[12783]} في صفة من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله { عليم * } فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما علمه من نياتهم ؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع{[12784]} الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين ، وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.