تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (91)

{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) } .

التفسير :

91 - مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ .

لقد نفى القرآن الولد عن الله تعالى في كثير من الآيات ، مثل سورة مريم : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . ( مريم : 88 – 93 ) .

وفي هذه الآية 91 من سورة ( المؤمنون ) ينفي سبحانه أن يكون له ولد كما زعم المشركون ، كما ينفي أن يكون مع الله إله آخر ، ثم يحتكم إلى العقل والمنطق في إبطال ذلك فلو أن اثنين اشتركا في خلق الكون ، لانفرد كل واحد منهما بإدارة الجزء الذي خلقه ، ووضع له نظاما وناموسا يختلف عن نظام الجزء الآخر وإذا تعددت الآلهة لاتجه كل واحد منهم إلى قهر الآخر والتسلط عليه ، لتظهر قوة القوي على الضعيف ، كما هو شأن ملوك الدنيا ، ولو حدث هذا التغالب والانقسام ، لاختل نظام الكون ولفسدت السماوات والأرض ومن فيهن . إلا أن المشاهد أن الوجود منتظم متسق ، وفي غاية النظام والكمال ، وارتباط كل من العالم السفلي بالعالم العلوي دون تصادم ولا اضطراب كما قال تعالى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت . ( الملك : 3 ) .

ولما ثبت كون التعدد في الآلهة مستحيلا ؛ بطل قول الكافرين في عبادة الأصنام والأوثان ، وبطلت حجتهم في قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . . . ( الزمر : 3 ) .

فلو كانت هناك آلهة مع الله لتقربت إليه تعالى بعبادته وحده ، فأولى بالإنسان أن يعبد ربه وحده ، قال تعالى : قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً . ( الإسراء : 42 ) .

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ .

تنزه الله الحق الواحد الأحد عما يقول الظالمون في دعواهم الولد أو الشريك .

/خ92

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (91)

ولما كان من أعظم كذبهم ما أشار إليه قوله تعالى{ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً }[ مريم : 88 ] قال : { ما اتخذ الله } أي الذي لا كفوء له ، وأعرق في النفي بقوله : { من ولد } لا من الملائكة ولا من غيرهم ، لما قام من الأدلة على غناه ، وأنه لا مجانس له ، ولما لزمهم بإقرارهم أنه يجير ولا يجار عليه ، وأن له السماوات والأرض ومن فيهما .

ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك قال : { وما كان } أي بوجه من الوجوه { معه } فأفاد بفعل الكون نفي الصحة لينتفي الوجود بطريق الأولى { من إله } وزاد " من " لتأكيد النفي ؛ ولما لزمهم الكذب في دعوى الإلهية بولد أو غيره من إقرارهم هذا ، أقام عليه دليلاً عقلياً ليتطابق الإلزامي والعقلي فقال : { إذاً } أي إذ لو كان معه إله آخر { لذهب كل إله بما خلق } بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له مما لغيره { ولعلا بعضهم } أي بعض الآلهة { على بعض } إذا تخالفت أوامرهم ، فلم يرض أحد منهم أن يضاف ما خلقه إلى غيره ، ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده ، كما هو مقتضى العادة ، فلا يكون المغلوب إلهاً لعجزه ، ولا يكون مجيراً غير مجار عليه ، بيده وحده ملكوت كل شيء ، وفي ذلك إشارة إلى أنه لو لم يكن ذلك الاختلاف لأمكن أن يكون ، فكان إمكانه كافياً في إبطال الشركة لما يلزم ذلك من إمكان العجز المنافي للإلهية ، كما بين في الأنبياء .

ولما طابق الدليل الإلزام على نفي الشريك ، نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ذلك بقوله : { سبحان الله } أي المتصف بجميع صفات الكمال ، المنزه عن كل شائبة نقص { عما يصفون* } من كل ما لا يليق بجنابه المقدس من الشريك والولد وغيره ؛