تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (137)

{ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين }

المفردات :

خلت : مضت :

سنن : السنن والطرائق والمراد منها عقوبات الأمم المكذبة .

التفسير :

137- { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }

يشبه ان تكون هذه الآيات في التعقيب على غزوة أحد ولعل إنسانا يتساءل عن سر هزيمة المؤمنين أو تعرضهم للبلاء وعن سر انتصار الكفار أو حصولهم على المال والغنى والسلطان في هذه الدنيا فبين سبحانه في هذه الآية ما يجيب على التساؤل :

والمراد بالسنن هنا : وقائع في الأمم المكذبة أجراها الله تعالى على حسب عادته وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره .

والمعنى : انه قد مضت من قبل زمانكم طرائق سنها الله تعالى فالحق يصارع الباطل وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه سبحانه من سنة النصر والهزيمة .

وقد جرت سننه في خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين وان يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فإن كنتم في شك من ذلك : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }

أي فسيروا في الأرض متأملين متبصرين فسترون الحال السيئة التي انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم وبقايا آثارهم .

قالوا ليس المراد بقوله فسيروا في الأرض الأمر بذلك لا محالة بل المقصود تعرف أحوالهم فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا94 .

{ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } .

المقصود بهذا التعبير تصوير حالة هؤلاء المكذبين التي تدعو إلى العجب وتثير الاستغراب وتغرس الاعتبار والاتعاظ في قلوب المتأملين .

لان هؤلاء المكذبين مكن الله لهم في الأرض ومنحهم الكثير من نعمه ولكنهم لم يشكروه عليها فأهلكهم الله بسبب طغيانهم .

فهذه الآية وأشباهها من الآيات تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم وإلى الاتعاظ بأيام الله وبالتاريخ وما فيه من أحداث وبالآثار التي تركها السابقون فإنها دليل واضح وشاهد يتحدث كما قال الشاعر :

تلك آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (137)

ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل ، والترهيب مما يوقع فيه ، والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم{[19234]} على الجهاد لذوي الفساد{[19235]} ، فبدأ بالسبب الأقوى ، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقاً وأقوى همماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً ، فقال تعالى معللاً للأمر بالمسارعة إلى المغفرة : { قد خلت } ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم ، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض ، ولا في جميع الزمان ، أثبت الجار فقال : { من قبلكم } أي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة{[19236]} أن نعمته انقطعت عنهم { سنن } أي وقائع سنها الله في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين ، وأحوال وطرائق كانت للفريقين ، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل{[19237]} ما للمكذبين ، فانظروا وأنعموا{[19238]} التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير{[19239]} في الكد والتعب الشديد { فسيروا في الأرض } أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا{[19240]} الخير إلى الخير ، وتعتبروا{[19241]} من العين بالأثر ، وتقرنوا بين النقل والنظر ، ولما كان الرجوع عن الهفوة واجباً على الفور عقب بالفاء قوله : { فانظروا } أي نظر{[19242]} اعتبار ، ونبه على عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم إشكاله فقال : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } .


[19234]:في ظ: بسجهم.
[19235]:في ظ: العناد.
[19236]:في ظ: الادلة.
[19237]:سقط من ظ.
[19238]:في ظ: أمعنوا.
[19239]:من ظ، وفي الأصل: باليسير.
[19240]:في ظ: لتضمنوا.
[19241]:في ظ: يعتبروا.
[19242]:زيد بعده في ظ: أي.