تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

140- { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس . . } الآية .

المفردات :

مس : المس الإصابة .

قرح : القرح الجرح أو ألمه .

نداولها : نجعلها متبادلة فنجعل الغلبة لهؤلاء مرة ولهؤلاء مرة أخرى .

التفسير :

القرح بالفتح والضم الجراح والآلام .

والمعنى :

إن تكونوا أيها المؤمنون قد أصابتكم الجراح من المشركين في غزوة أحد فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح في غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم في أحد ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم فانتم أولى أن تتماسكوا بسبب إيمانكم ويقينكم وقيل إن المعنى : إن كانت قد أصابتكم الجراح في أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها في المعركة ذاتها .

قال الزمخشري : والمعنى إن نالوا منكم يوم احد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى ألا تضعفوا ونحوه { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وتجرحون من الله ما لا يجرحون وكان الله عليما حكيما } ( النساء 104 ) .

وقيل : كان ذلك يوم احد فقد نالوا منهم قبل ان يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم98 .

{ وتلك الأيام نداولها بين الناس }

نداولها من المداولة وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر .

والمعنى : إن الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد ومن أمثال العرب : الحرب سجال والأيام دول .

إن الشدة بعد الرخاء والرخاء بعد الشدة هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس فيتبين المؤمنون ويمتازون من المنافقين المستورين .

{ وليعلم الله الذين آمنوا }

والله يعلم هؤلاء وهؤلاء ولكن انكشافهم يجعل هذا العلم متعلقا بأعمالهم بعد ان كان متعلقا بنواياهم والإسلام يعتبر العمل دائما ويحاسب عليه فهو هنا يجري على قانونه .

ومداولة الأيام وتوالي الشدة والرخاء وسيلة عملية لا تخطئ ومحك صادق لا يظلم والرخاء في هذا كالشدة فكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل والنفس المؤمنة حقا تصبر للضراء ولا تستخفها السراء ويقينها أن ما أصابها من خير أو شر فبإذن الله .

جاء في التفسير الوسيط :

{ وليعلم الله الذين آمنوا }

أي وتلك الأيام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح وضروب من الحكم وليعلم الله المؤمنين المتميزين علما مقترنا بالواقع .

والمراد بالعلم هنا : العلم التنجيزي بالواقع وهذا لا ينافي علمه بهم قديما والمقصود أن يبرز في الواقع ما سبق في علمه عنهم قديما من تمييزهم بإيمانهم عن سواهم ليجزي كل بما عمل لا بما علمه الله أزلا في شأنه99 وذلك هو المقصود بقوله تعالى : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( آل عمران 179 ) .

ويتخذ منكم شهداء . بيان لحكمة أخرى من مداولة الأيام بين الناس والشهداء جمع شهيد أي وليختار أناسا منكم يكرمهم بالشهادة في الدفاع عن الدين قال القرطبي : ويتخذ منكم شهداء أي يكرمهم بالشهادة أي ليقتل قوما منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم .

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق إن الشهداء المختارين يختارهم الله من بين المجاهدين ويجعلهم كذلك شهداء على الناس قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . ( التوبة 111 ) . وجميع المؤمنين الصادقين سيكونون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة كما قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } البقرة 143 ) .

{ والله لا يحب الظالمين } أي والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق وإنما يحب المؤمنين الثائبين على الحق والمجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء دين الله ونصرة شريعته .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

ولما نهاهم{[19258]} عما تقدم{[19259]} وبشرهم{[19260]} سلاهم وبصرهم{[19261]} بقوله : { إن يمسسكم قرح } أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم { فقد مس القوم } أي الذين لهم من قوة{[19262]} المحاولة ما قد علمتم ، أي{[19263]} في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر { قرح مثله } أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه{[19264]} في يوم بدر ، على أنه كما أنه ظفرهم{[19265]} - بعدما أصابهم وأنكأهم {[19266]}يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم ، ويوم أحد بالقتل والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه ، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه ، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق ، ترجون من الله ما لا يرجون ، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر{[19267]} { وتلك الأيام } ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد ، وكانت إنما تعظم بعظم{[19268]} أحوالها ذكر الحال المنبه{[19269]} عليها بقوله : { نداولها بين الناس } أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى .

ولما كان التقدير : ليدال على من كانت له الدولة ، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله : { وليعلم الله } أي المحيط بجميع الكمال { الذين آمنوا } أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم ، ومعنى { ليعلم } أنه{[19270]} يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز{[19271]} ما يعلمه غيباً{[19272]} إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم{[19273]} { ويتخذ منكم شهداء } أي{[19274]} بأن يجعل{[19275]} قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة ، لا غيبة{[19276]} فيها ، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم{[19277]} بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا{[19278]} مشهوداً{[19279]} عليهم أصلاً بفتنة في{[19280]} قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا{[19281]} بخوف ولا صعق{[19282]} ولا غيره ، فإن الله يحب المؤمنين ، وليعلم{[19283]} الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء { والله } أي الملك الأعلى { لا يحب الظالمين * } أي الذين يخالف فعلهم قولهم ، فهو لا يستشهدهم{[19284]} ، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم ، وفيه{[19285]} بشارة{[19286]} في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب ، لئلا يحزنوا على ما أصابهم ، ونذارة في تأديب بأنهم ما خذلوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره{[19287]} بحفظه ، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو ، والآية من الاحتباك : إثبات{[19288]} الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً ، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً .


[19258]:في ظ: نهم.
[19259]:في ظ: يقدم، وفي مد: تقدم ـ كذا.
[19260]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[19261]:من ظ ومد، وفي الأصل: بصره.
[19262]:من مد، وفي الأصل وظ: القوة.
[19263]:سقط من مد.
[19264]:زيد من مد.
[19265]:من ظ ومد، وفي الأصل: ظفره.
[19266]:في ظ: في.
[19267]:من ظ ومد، وفي الأصل: أحد.
[19268]:في مد: بعظمة.
[19269]:من ظ ومد، وفي الأصل: المثبه ـ كذا.
[19270]:من ظ ومد، وفي الأصل: أن.
[19271]:في ظ: بين.
[19272]:في ظ: عينا.
[19273]:من مد، وفي الأصل وظ: بينكم.
[19274]:زيد من مد.
[19275]:في ظ: يحل.
[19276]:من ظ، وفي الأصل: عينه، وفي مد: غنية.
[19277]:من مد، وفي الأصل: الكرامة، وفي ظ: إكرامه.
[19278]:في ظ: لا تكونوا.
[19279]:من مد، وفي الأصل وظ: شهودا.
[19280]:زيد من مد.
[19281]:من مد، وفي الأصل وظ: لا تفعلوا.
[19282]:من ظ ومد، وفي الأصل: ضعف.
[19283]:من ظ، وفي الأصل ومد: ويعلم.
[19284]:في ظ: لا استشهدهم.
[19285]:زيد من ظ ومد.
[19286]:من ظ ومد، وفي الأصل: بشارهم.
[19287]:من ظ ومد، وفي الأصل: الكرة.
[19288]:في ثبات.