تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ} (70)

المفردات :

ميثاق : الميثاق ؛ العهد القوي .

التفسير :

70- لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً . . . الآية

أخذ الله العهد المؤكد على بني إسرائيل بعبادته وحده وأداء جميع أوامره واجتناب جميع نواهيه .

كما أرسل سبحانه إليهم رسلا ذوي عدد كثير وأولي شأن خطير ؛ لكي يتعهدوهم بالتبشير والإنذار ، بحيث لم يبق لهم عذر في مخالفة العهد أو نقض الميثاق ، وقد ذكر هذا الميثاق في أماكن أخرى في القرآن الكريم .

ففي الآية 12 من سورة المائدة يقول سبحانه : وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ .

وقال سبحانه : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً . . . ( البقرة : 83 ) .

وقال عز شأنه : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ . . . ( البقرة : 84 ) .

كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ . أي : أخذنا الميثاق المؤكد عليهم {[297]} وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين لهدايتهم ، ولكنهم نقضوا الميثاق ، وعصوا الرسل وقابلوهم بالجحود والعدوان والتكذيب ، ولم يقتصروا على التكذيب بل قتلوا بعض هؤلاء الرسل .

والتقدير ، كلما جاءهم رسول بما يخالف أهواءهم ، استكبروا ولجوا في العناد فكذبوا فريقا من الأنبياء وقتلوا فريقا منهم ، كما قال تعالى لهم : . . . أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ . ( البقرة : 87 ) .


[297]:وردت إشارة كاملة إلى هذا الميثاق في سفر تثنيه الاشتراع وهو أحد أسفار التوراة التي بأيديهم، الاصحاح:29-33.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ} (70)

ولما كانت هذه البشارة - الصادقة{[27022]} من العزيز العليم الذي أهل الكتاب أعرف الناس به لمن آمن كائناً من كان - موجبة{[27023]} للدخول في الإيمان والتعجب ممن لم يسارع إليه ، وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر ، كان الحال مقتضياً لتذكر ما مضى من قوله تعالى

{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم{[27024]} اثني عشر نقيباً }[ المائدة : 12 ] وزيادة العجب منهم مع ذلك ، فأعاد سبحانه الإخبار به مؤكداً له تحقيقاً لأمره وتفخيماً لشأنه ، وساقه على وجه يرد دعوى البنوة والمحبة ، ملتفتاً مع التذكير بأول قصصهم{[27025]} في هذه السورة إلى أول السورة

{ أوفوا بالعقود }[ المائدة : 1 ] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة ، وجعل بدل النقباء الرسل فقال مستأنفاً : { لقد أخذنا } أي على ما لنا من العظمة { ميثاق بني إسرائيل } أي على الإيمان بالله ثم بمن يأتي بالمعجز مصدقاً لما عنده{[27026]} بحيث يقوم الدليل على أنه من رسل{[27027]} الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم بالإيمان بهم{[27028]} ، ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة : { وأرسلنا إليهم رسلاً } أي لم نكتف{[27029]} بهذا العهد ، بل{[27030]} لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين يرونهم الآيات ويجددون لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام ، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري في بني إسرائيل{[27031]} ومسلم في المغازي - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم{[27032]} الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء فيكثرون ، قالوا : فما تأمرنا ؟{[27033]} قال : فوا{[27034]} ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم ، فإن الله سائلهم عما استرعاهم " انتهى . ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا{[27035]} في زمن موسى ولا في زمن من بعده من الأنبياء عليهم السلام ، حتى قتلوا كثيراً من الرسل{[27036]} وهو معنى قوله{[27037]} - جواباً لمن كأنه قال : ما فعلوا بالرسل : { كلما جاءهم رسول } أي من أولئك الرسل أي رسول كان { بما لا تهوى أنفسهم } أي بشيء لا تحبه نفوسهم محبة تتساقط بها إليه ، خالفوه ، فكأنه قيل : أي مخالفة ؟ فقيل : { فريقاً } أي من الرسل { كذبوا } أي كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل ، ودل على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته بالتعبير بالمضارع تصويراً للحال الماضية وتنبيهاً على أن هذا ديدنهم وهو أشد من التكذيب فقال : { وفريقاً يقتلون * } أي مع التكذيب وليدل على ما وقع منهم{[27038]} في سم{[27039]} النبي صلى الله عليه وسلم ، وقدم المفعول للدلالة على انحصار أمرهم في حال التكذيب والقتل ، فلا حظ لهم في تصديق مخالف{[27040]} لأهويتهم


[27022]:زيد من ظ.
[27023]:في الأصل و ظ: موجب- كذا.
[27024]:من ظ والقرآن الكريم سورة 5 آية 12، وفي الأصل: منكم.
[27025]:في ظ: قصصه.
[27026]:في ظ: عندهم.
[27027]:في ظ: رسول.
[27028]:سقط من ظ.
[27029]:في ظ: لم يكتف.
[27030]:سقط من ظ.
[27031]:راجع كتاب الأنبياء.
[27032]:في ظ: برسوسهم.
[27033]:من ظ وصحيح البخاري، وفي الأصل: قافرا- كذا.
[27034]:من ظ وصحيح البخاري، وفي الأصل: قافرا- كذا.
[27035]:زيد من ظ.
[27036]:تكرر ما بين الرقمين في ظ بعد "ما فعلوا بالرسل".
[27037]:تكرر ما بين الرقمين في ظ بعد "ما فعلوا بالرسل".
[27038]:في ظ: من سهم.
[27039]:في ظ: من سهم.
[27040]:في ظ: تحليف- كذا.