نكص على عقبيه : رجع القهقرى ، تولى إلى الوراء جهة العقبين ، والمراد : كف الشيطان عن وسوسته وذهب ما خيله من المعونة لهم .
جار لكم : أي : مجير وناصر ، والجار الذي يجير غيره أي : يؤمنه مما يخاف .
48 – { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . . . } الآية .
أي : واذكر أيها الرسول للمؤمنين حين زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم في معاداة الرسول والمؤمنين ؛ بأن وسوس لهم وحسن لهم ما جبلوا عليه من غرور ومراءاة ، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم في هذا الحرب .
{ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } .
أي : من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ فألقى الشيطان في روعهم ، أنه لن يغلبكم أحد من الناس ؛ لا محمد – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ، ولا غيرهم من قبائل العرب .
أي : مجير ومعين وناصر لكم ؛ إذ المراد بالجار هنا الذي يجير غيره ، أي : يؤمنه مما يخاف ويخشى .
{ فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه } .
فلما أبصر كل من الفريقين الآخر ، وقد رجحت كفة المؤمنين ، بإمداد الملائكة لهم ؛ بطل كيد الشيطان وتزيينه ، وظهر عجزه عن نصرة الكافرين ؛ وولى هاربا على قفاه ، راجعا للوراء ، والمراد : بطلان كيده وهزيمته مع شيعته . أي : أنه كف عن تزيينه لهم وتغريره بهم .
يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا ، أي : تراجع عنه وأحجم ، والعقب : مؤخر القدم .
{ وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله } .
أي : قال الشيطان للمشركين ، إني بريء من عهدكم وجواركم ونصرتكم ، إني أرى من الملائكة النازلة ؛ لتأييد المؤمنين ما لا ترونه أنتم .
{ إني أخاف الله } . أن يصيبني بمكروه من قبل ملائكته .
{ والله شديد العقاب } . يحتمل أنه من كلام إبليس الذي حكاه الله عنه ، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل .
أي : والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره .
ذهب جمهور المفسرين ، إلى أن الشيطان ظهر للمشركين يوم بدر ، ظهورا حسيا يغريهم بالنصر ، ويعدهم بالحماية والتأييدxxxix .
وروى عن الحسن والأصم أن تزيين الشيطان كان على سبيل الوسوسة ، ولم يتمثل لهم .
فالقول على هذا مجاز عن الوسوسة ، والنكوص وهو الرجوع استعارة لبطلان كيده .
وقد ذهب ابن كثير وابن جرير الطبري وغيرهم على أن التزيين من الشيطان كان تزيينا حسيا .
وأوردا روايات كثيرة تدور حول ظهور الشيطان للمشركين ، وورد مثل ذلك في تفسير القرطبي والزمخشري ؛ فروى أن قريشا لما اجتمعت تريد حرب المسلمين في بدر ؛ ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب ؛ لأن قريشا كانت قتلت رجلا من كنانة ، وكانت كنانة تطلب دمه ، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم ، فتمثل إبليس اللعين ، في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الشاعر الكناني ، وقال : أنا جاركم من بني كنانة ، فلا يصل إليكم مكروه منهم ، وقال : لا غالب لكم اليوم ، فلما رأى إبليس الملائكة تنزل ؛ نكص .
وقيل : كانت يده في يد الحارث بن هشام ، فلما نكص قال له الحارث : إلى أين ؟ ! أتخذلنا في هذه الحال ؟ ! قال : إني أرى ما لا ترون ، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا .
فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم ، فلما أسلموا ؛ علموا أنه الشيطان .
وفي موطإ مالك : عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام ؛ إلا ما رؤى يوم بدر ، قيل : وما رؤى يوم بدر ، قال فإنه قد رأى جبريل يزعxl الملائكة " xli .
بمراجعة أقوال المفسرين في كيفية تزيين الشيطان للمشركين ، نراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
1 – قسم منهم سار في تفسيره على أن التزيين كان حسيا بمعنى : أن الشيطان تمثل للمشركين في صورة إنسان وقال لهم ما قال .
وممن فعل ذلك ابن جرير الطبري ، وابن كثير ، والقرطبي .
2 – قسم ذكر : أن في التزيين وجهين .
أحدهما : أنه وسوسة من غير تمثيل في صورة إنسان .
ثانيهما : أن إبليس ظهر في صورة إنسان ، ولم يرجح أحد القولين على الآخر وممن فعل ذلك الزمخشري ، والفخر الرازي ، والآلوسي ، وأبو السعود .
3 – قسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسيا ، بل كان عن طريق الوسوسة ، وأن الشيطان ما تمثل للمشركين في صورة إنسان ، وقد سار في هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا في صحة ما سواه ، ونحن نؤمن بالآية وبما أثبته القرآن الكريم من أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، وأنه قد نكص على عقبيه . . . إلخ . إلا أننا لا نستطيع أن نحدد كيفية ذلك .
وبعبارة أوضح : نحن أقرب إلى الفريق الثاني من المفسرين الذين ذكروا القولين السابقين في كيفية التزيين دون ترجيح لأحدهما على الآخر .
فالقول محتمل لأن يكون التزيين معنويا بمعنى : الوسوسة والإغراء والتحريض ، وأن يكون حسيا بأن يتمثل الشيطان رجلا يغريهم ثم يخذلهم ويتركهم منهزما .
وكان موقف " في ظلال القرآن " ، قريبا من هذا الاتجاه . حيث قال :
وفي هذا الحادث نص قرآني يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم ، وشجعهم على الخروج . . . وأنه بعد ذلك نكص على عقبيه . . . فخذلهم وتركهم ؛ يلاقون مصيرهم وحدهم .
ولكنا لا نعرف الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم ، والتي قال بها : { لا غالب لكم اليوم من الناس } . والتي نكص بها كذلك . .
الكيفية فقط هي التي لا نجزم بها ؛ ذلك أن أمر الشيطان كله غيب ، ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء من أمره إلا بنص قرآني ؛ أو حديث نبوي صحيح ، والنص هنا لا يذكر الكيفية ، إنما يثبت الحادث .
إلى هنا ينتهي اجتهادنا ، ولا نميل إلى المنهج الذي تتخذه مدرسة الشيخ محمد عبده ، في تأويل كل أمر غيبي من هذا القبيل معينا ، ينفي الحركة الحسية عن هذه العوالم ، وذلك كقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية :
{ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم . . . } أي : واذكر أيها الرسول للمؤمنين ، إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، قال لهم ، بما ألقاه في هواجسهم { لا غالب لكم اليوم من الناس . . . } إلخ ما ذكره الشيخ رشيد في تفسير الآية . ا ه .
أي : أن( في ظلال القرآن ) لا يستعبد أن يكون التزيين معنويا بمعنى الوسوسة ، وأن يكون حسيا بمعنى تمثل الشيطان في صورة رجل كسراقة بن مالك بن جشعم الكناني .
وأخيرا إننا نؤمن بالنص ، ونذكر أنه محتمل لرأيين ، ونفوض حقيقة المراد على الله تعالى ، والله أعلم .
ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيراً منها ، زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال ؛ { وإذ } فعلم أن التقدير قطعاً : اذكروا ذلك واذكروا إذ ، وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما يأمر به إنما هو خيال لا حقيقة له كما{[35093]} كان ما سول لهم في{[35094]} هذا الأمر فقال : { زين لهم الشيطان } أي العدو المحترق البعيد من الخير { أعمالهم } التي أتقنوها بزعمهم في معاداة النبي صلى الله عليه وسلم{[35095]} ، وذلك أنه تبدى لهم في صورة{[35096]} سراقة بن مالك بن جعشم الكناني حين خافوا من قومه بني كنانة أن يخلفوهم في أهليهم{[35097]} بسوء لما كان بينهم مما يوجب ذلك ، فكاد ذلك أن يثبطهم عن المسير { وقال } غارّاً لهم في أنفسهم { لا غالب لكم } والجار خبر { لا } وإلاّ لا انتصب اسمها لكونه يكون إذ ذاك شبيهاً بالمضاف { اليوم من الناس } وغارّاً لهم فيمن خلفوه بقوله : { وإني جار لكم } من أن تخلفكم كنانة بشيء تكرهونه ، وسار معهم إلى بدر{[35098]} ينشطهم و{[35099]} ينشدهم ويسلطهم{[35100]} بهذا القول الظاهر إلى ما{[35101]} يوسوس لهم به في الصدور { فلما تراءت الفئتان } أي رأت كل فئة الأخرى ورأى جبريل عليه السلام في{[35102]} جنود الله{[35103]} { نكص } أي رجع يمشي القهقرى وبطل كيده وآثار وسوسته { على عقبيه } أي إلى ورائه{[35104]} ، فقالوا أين أي{[35105]} سراق ؟ ولا يظنونه إلا سراقة ، فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم { وقال } أي بلسان الحال أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه { إني بريء منكم } ثم علل براءته منهم بقوله : { إني أرى } أي بعين بصري { ما لا ترون } أي من الملائكة والغضب الذي هو{[35106]} نازل بكم ، فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في يده : {[35107]}والله{[35108]} ما نرى إلا جواسيس يثرب ! فاستأنف قوله مؤكداً لإنكارهم لذلك : { إني أخاف الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً أن يهلكني معكم بالمعاجلة بالعقاب { والله } أي الملك الأعظم { شديد العقاب* } فكانوا يقولون : انهزم بنا سراقة ، فقال ؛ بلغني أنكم تقولون كذا ! والله ما علمت بمسيركم هذا{[35109]} إلا عندما بلغني انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى أسلموا فعلموا أن الذي غرهم الشيطان ، وذلك مشهور في السير ، وهو أولى من أن يحمل على مجرد الوسوسة ، وفي الحديث " ما رئي إبليس يوماً أصغر ولا أحقر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رئي{[35110]} يوم بدر