تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا} (26)

25

{ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا }

المفردات :

ظاهروهم : عاونوهم .

من أهل الكتاب : من يهود بني قريظة .

من صياصيهم : من حصونهم جمع صيصة وهي كل ما يمتنع به .

الرعب : الخوف الشديد .

التفسير :

تتحدث الآيتان 26-27 عن يهود بني قريظة وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق على حسن الجوار فللمسلمين دينهم ولليهود دينهم وإذا هجم عدو على المدينة يتعاون المسلمون واليهود في الدفاع المشترك عن المدينة فلما قدمت الأحزاب لحرب المسلمين نقض بنو قريظة هذا العهد وانقلبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكونوا جبهة متعاونة مع الأحزاب وأصاب المسلمين بلاء شديد بسبب ذلك فلما أعز الله المسلمين ورحلت الأحزاب بدون نصر أو أسرى وإنما رحلت كسيرة ذليلة في خوف وهلع عاد المسلمون إلى المدينة واستراحوا واغتسلوا ووضعوا أسلحتهم فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا محمد إن الملائكة لم تضع السلاح بعد اذهب إلى بني قريظة فإن الله ناصرك عليهم فنهض صلى الله عليه وسلم من فوره وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة وكانت على بعد أميال من المدينة وقال صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة " . 27

فسار الناس فأدركنهم الصلاة في الطريق فصلى بعضهم في الطريق وقالوا : لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة فلم يعنف واحدا من الفريقين وتبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استخلف على المدينة عبد الله بن أم كلثوم رضي الله عنه وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم نازلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية فحكم سعد ابن معاذ بان يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم28 لأنهم لو ظفروا بالمسلمين لأجهزوا عليهم .

ومعنى الآية : وأنزل اليهود الذين ساعدوا الأحزاب وعاونوهم على حرب الرسول صلى الله عليه وسلم من حصونهم وقلاعهم التي كانوا يتحصنون بها ، وقذف الله في قلوبهم الرعب والخوف حتى فتحوا الحصون واستسلموا فقتل المسلمون الرجال المقاتلين وقتل منهم يومئذ ما بين الثمانمائة والتسعمائة وثم أسر النساء والذرية .

قال ابن كثير :

{ وقذف في قلوبهم الرعب . . . . . . } وهو الخوف لأنهم كانوا مالأوا المشركين على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخافوا المسلمين وراموا قتلهم فانعكس عليهم الحال .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا} (26)

شرح الكلمات :

{ ظاهروهم } : أي ناصروهم ووقفوا وراءهم يشدون أزرهم .

{ من صياصيهم } : أي من حصونهم والصياصي جمع صيصيَّة وهي كل ما يمتنع به .

{ وقذف في قلوبهم الرعب } : أي ألقى الخوف في نفوسهم فخافوا .

المعنى :

قوله تعالى { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } هذا شروع في ذكر غزوة بني قريظة إذ كانت بُعيد غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة في آخر شهر القعدة وخلاصة الحديث عن هذه الغزوة أنه لما ذهب الأحزاب واد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة وكان بنو قريظة قد نقضوا عهدهم وانضموا إلى الأحزاب من المشركين عوناً لهم على رسول الله والمؤمنين فلما ذهب الأحزاب وانصرف الرسول والمؤمنون من الخندق إلى المدينة فما راع الناس إلا ومنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي إلى بني قريظة فلا يصلِّين أحدكم العصر إلا ببني قريظة وهي على أميال من المدينة وذلك أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ذلك اليوم فقال يا رسول الله وضعت السلاح إن الله يأمرك بالسير غلى بني قريظة فقام رسول الله وأمر منادياً ينادي بالذهاب إلى بني قريظة وذهب رسول الله والمسلمون فحاصروهم قرابة خمس وعشرين ليلة وجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فقال لهم رسول الله " أتنزلون على حكمي " فأبوا فقال " أتنزلون على حكم سعد بن معاذ ؟ " فقالوا نعم فحكمه فيهم فحكم بأن يُقتل الرجال وتسبى الذراري والنساء وتقسم الأموال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرراً للحكم " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات " . فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث من نساء بني النجار وخرج إلى سوق المدينة فحفر فيها خندقاً ثم جيء بهم وفيهم حيي بن أخطب الذي حزّب الأحزاب وكعب بن أسد رئيس بني قريظة ، وأمر علياً والزبير بضرب أعناقهم وطرحهم في ذلك الخندق .

وبذلك انتهى الوجود اليهودي المعادي بالمدينة النبويّة . والحمد لله .

فقوله تعالى { وأنزل } أي الله تعالى بقدرته { الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } أي ظاهروا الأحزاب وكانوا عوناً لهم على الرسول والمؤمنين وهم يهود بني قريظة { من صياصيهم } أي أنزلهم من حصونهم الممتنعين بها ، { وقذف في قلوبهم الرعب } ولذا قبلوا التحكيم فحكّم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم فيهم بقتل المقاتلة من الرجال وسبي النساء والذراري وهو معنى قوله تعالى { فريقا تقتلون } وهم الرجال { وتأسرون فريقا } وهم النساء والأطفال .

الهداية :

من الهداية :

- بيان عاقبة الغدر فإِن قريظة لما غدرت برسول الله انتقم منها فسلط عليها رسوله والمؤمنين فأبادوهم عن آخرهم ولم يبق إلاّ الذين لا ذنب لهم وهم النساء والأطفال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا} (26)

قوله تعالى : " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم " يعني الذين عاونوا الأحزاب : قريشا وغطفان وهم بنو قريظة وقد مضى خبرهم " من صياصيهم " أي حصونهم واحدها صيصة . قال الشاعر :

فأصبحتِ الثيرانُ صرعى وأصبحت*** نساءُ تميمٍ يَبْتَدِرْنَ الصَّيَاصِيَا{[12786]}

ومنه قيل لشوكة الحائك التي بها يسوَّى السداة واللحمة : صيصة . قال ، دريد بن الصمة :

فجئتُ إليه والرِّمَاحُ تَنُوشُهُ *** كوقْعِ الصَّياصِي في النسيج المُمَدَّدِ

ومنه : صيصة الديك التي في رجله . وصياصي البقر قرونها ؛ لأنها تمتنع بها . وربما كانت ، تركب في ، الرماح مكان الأسنة ، ويقال : جذ الله صئصئه ، أي أصله " وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون " وهم الرجال . " وتأسرون فريقا " وهم النساء والذرية ، على ما تقدم .


[12786]:البيت لعبد بني الحسحاس، وقد أورده صاحب اللسان شاهدا على أن صياصي البقر قرونها، وروايته في البيت: فأصبحت الثيران غرقى وأصبحت *** نساء تميم يلتقطن الصياصيا أي يلتقطن القرون لينسجن بها، يريد لكثرة المطر غرق الوحش.