النجوى : التناجي والمسارة ، وقد تستعمل في المتناجين ، كما قال تعالى : { وإذ هم نجوى } . . ( الإسراء : 47 ) . أي : أصحاب نجوى
7- { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
تشير الآية إلى علم الله الواسع ، ورقابته وشهادته وحضوره بالرؤية والمعية المعنوية ، فهو سبحانه منزه عن الكم والكيف ، ومنزه عن أن يكون جسما أو حالا في جسم ، فمعية الله للبشر معية رقابة ومشاهدة ، وعلم واطلاع ، وهو سبحانه لا يحل في مكان ، ولا يمر عليه زمان ، وكل من المكان والزمان من خلقه تعالى ، فلا يجتمع ثلاثة إلا كان رابعهم ، ولا خمسة إلا كان سادسهم ، ولا أقل من ذلك العدد ولا أكثر منه ، إلا هو معهم بعلمه وشهادته ، ثم يخبرهم بأعمالهم التي عملوها يوم القيامة ، فهو سبحانه محيط بكل كلام ، عليم بكل شيء .
أما لماذا خص العدد بذكر ثلاثة أو خمسة أو أقل أو أكثر ، فهو مجرد مثال ، والعدد غير مقصود ، لأنه تعالى يعلم ما فوق ذلك وما دون ذلك ، لكنه على طريقة القرآن في إبراز المعنى المجرد ماثلا في صور ملموسة محسوسة ، صورة أشخاص يتناجون ، اثنان كل منهما يقاوم الآخر ، وثالث يكون بمنزلة الحكم ، فالله تعالى مطلع ومشاهد لهذه المجموعة ، أو لمجموعة أكثر منها أو أقل منها ، إنه محيط بالأفراد والجماعات ، وبالعائلات والأسر والبلاد ، وهو سبحانه بكل شيء عليم ، وبهذا العلم المحيط يحاسب عباده يوم القيامة .
قال تعالى : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } . ( التوبة : 78 ) .
ولعلنا نلمح من الآية أن المنافقين واليهود كانوا يتناجون في جماعات قليلة العدد ، ثلاثة أو خمسة ، فكشف الله سترهم ، وأخبرهم أنه عليم بهم ، مطلع على مناجاتهم ، وسيحاسبهم ويجازيهم على ذلك يوم القيامة .
قال تعالى : { أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } . ( الزخرف : 80 ) .
حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بقوله تعالى : { وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ . . . }معية علمه تعالى ، ولا شك في إرادة ذلك ، ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم ، وبصره نافذ فيهم ، فهو سبحانه مطلع على خلقه ، لا يغيب عنه من أمورهم شيء ، ثم قال تعالى : { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
{ ما يكون من نجوى } : أي من متناجين ، { ثلاثة إلا هو رابعهم } : إلا هو تعالى رابعهم بعلمه بهم ، وقدرته عليهم . { ولا أدنى من ذلك } : أي أقل من الثلاثة وهما الإثنان .
{ إلا هو معهم أينما كانوا } : أي في أيّ مكان من الأرض أو السماء .
قوله تعالى { ألم تر أن الله يعلم ما في السموات } تقرير لما سبق من إحاطة علم الله بكل شيء وأن أعمال أولئك المخالفين المحادين محصية معلومة وسيجزيهم بها . أي ألم تعلم يا رسولنا أن الله تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض من دقيق الأشياء وجليلها ، ورد أن جماعة من المنافقين تخلفوا يتناجون بينهم إغاظة للمؤمنين فنزلت هذه الآية تعرض بهم وتكشف الستار عن نياتهم . { ما يكون من نجوى } أي من ذوي نجوى أو من متناجين ثلاثة إلا وهو رابعهم ، أي إلا والله تعالى رابعهم بعلمه بهم وقدرته عليهم وهذه فائدة المعية العلم والقدرة على الأخذ والعطاء ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك كالإثنين .
ولا أكثر إلا هو معهم بعلمه وقدرته وإحاطته أينما كانوا تحت الأرض أو فوقها في السماء أو دونها ، ثم ينبئهم أي يخبرهم ويعلمهم بما عملوا يوم القيامة ليجزيهم به { إن الله بكل شيء عليم } تقدير لما سبق من علمه بالمحادين له وبالمنافقين المناوئين للمؤمنين وسيجزى الكل بعدله وهو العزيز الحكيم .
- الإِرشاد إلى أن التناجي للمشاورة في الخير ينبغي أن يكون عدد المتناجين ثلاثة أو خمسة أو سبعة ليكون الواحد عدلا مرجحا للخلاف قاضيا فيه إذا اختلف اثنان لا بد من واحد يرجح جانب الخلاف وإذا اختلف أربعة لا بد من خام سيرجح جانب الخلاف .
ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } .
والاستفهام فى قوله : { أَلَمْ تَرَ . . . } للتقرير ، والرؤية بمعنى العلم والإدراك القلبى . . . والخطاب لكل من هو أهل له .
والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة ، أى : ساررته بكلام على انفراد ، وأصله : أن تخلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من الأرض ، أي : فى مكان مرتفع منفصل عما حوله .
وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على النجاة .
وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما فى الآية التى معنا .
قال الآلوسى : وقوله - تعالى - : { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه - تعالى - ، و { يكون } من كان التامة . و { من } مزيدة و { نجوى } فاعل ، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله . . . والإستثناء فى قوله { إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } مفرغ من أعم الأحوال . . .
والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن الله - تعالى - يعلم علما تاما ، ما فى السموات وما فى الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع . . وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم فى التناجى .
{ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } أى : ولا يكون التناجى بين خمسة إلا وهو - سبحانه - معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان التناجي بين ستة .
وقوله - تعالى - : { وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ } بيان لشمول علمه لجميع الأحداث .
أي : ولا يقع التناجي بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالإثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم فى أي مكان كانوا ، وعلى أية حال وجدوا .
{ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة } أي : ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازيهم عليها بما يستحقونه من ثواب أو عقاب .
{ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .
والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذي لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح - سبحانه - الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا - .
قال الإمام الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها : أن هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان فى التناجي والمشاورة بقي الواحد ضائعا وحيداً ، فيضيق قلبه فيقول الله - تعالى - له : أنا جليسك وأنيسك .
وثانيها : أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أي كانوا في مرة ثلاثة وفي مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع . ويبدو لنا أن ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلي من الآية الكريمة ، بيان أن علم الله - تعالى - يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ، ولذا قال - سبحانه - : { وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ } .
قال القرطبى : قال الفراء : المعنى غير مقصود ، والعدد غير مقصودن لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سراً وجهراً ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض . .