تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا} (7)

5

المفردات :

جعلوا أصابعهم في آذانهم : سدّوا مسامعهم عن استماع الدعوة .

استغشوا ثيابهم : بالغوا في التغطّي بها كراهة لي .

أصرّوا : تشدّدوا وانهمكوا في الكفر .

التفسير :

7- وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكبارا .

إنها صورة معبّرة عن فرار هؤلاء القوم من دعوته ، وخوفهم من مقابلته ، وإصرارهم على العناد والمكابرة ، فكلما دعاهم نوح إلى الله ليغفر لهم ذنوبهم ، أعرضوا عنه إعراضا شديدا ، ووضعوا أنامل أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا صوته .

والتعبير هنا يوحى بأنهم حاولوا وضع أصابعهم كلها في آذانهم ، ليتأكدوا من أنّ صوت نوح لن يصل إليهم ، لذلك قال : جعلوا أصابعهم في آذانهم . . . ولم يقل : جعلوا أناملهم في آذانهم .

كما أنّهم جعلوا ثيابهم فوق وجوههم ، حتى لا يشاهدوا نوحا ، رغبة في الإصرار على الكفر والعناد ، وقد أصرّوا على كفرهم ، واستكبروا استكبارا شديدا في عناد وتكبّر ، وعدم استجابة لدعوة نوح عليه السلام .

وقد أخبر القرآن الكريم عن كفار قريش بما يثبت عنادهم وتكبّرهم ، فقال : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون . ( فصلت : 26 ) .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا} (7)

شرح الكلمات :

{ جعلوا أصابعهم في آذانهم } : أي حتى لا يسمعوا ما أقول لهم .

{ واستغشوا ثيابهم } : أي تغطوا بها حتى لا ينظروا إليّ ولا يروني .

{ وأصروا } : على باطلهم وما هم عليه من الشرك .

المعنى :

/د5

{ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } بأن يستغفروك ويتوبوا إليك لتغفر لهم { جعلوا أصابعهم في آذانهم } حتى لا يسمعوا ما أقول لهم ، { واستغشوا ثيابهم } أي تغطوا بها حتى لا يروني ولا ينظروا إلى وجهي كراهة لي وبغضا فيّ { وأصروا } على الشرك والكفر إصراراً متزايداً عنادا { واستكبروا استكبارا } عجيباً .

/ذ20

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا} (7)

ثم أضاف إلى فرارهم منه ، حالة أخرى . تدل على إعراضهم عنه ، وعلى كراهيتهم له ، فقال : { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ واستكبروا استكبارا } .

وقوله : { كُلَّمَا } معمول لجملة : { جعلوا } التى هى خبر إن ، واللام فى قوله { لِتَغْفِرَ لَهُمْ } للتعليل .

والمراد بأصابعهم : جزء منها . واستغشاء الثياب معناه : جعلها غشاء ، أى : غطاء لرءوسهم ولأعينهم حتى لا ينظروا إليه ، ومتعلق الفعل " دعوتهم " محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، وهو أمرهم بعبادة الله وتقواه .

والمعنى : وإنى - يا مولاى - كلما دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتى فيما أمرتهم به ، لكى تغفر لهم ذنوبهم . . ما كان منهم إلا أن جعلوا أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا قولى ، وإلا أن وضعوا ثيابهم على رءوسهم . وأبصارهم حتى لا يرونى ، وإلا أن { وَأَصَرُّواْ } إصرارا تاما على كفرهم { واستكبروا استكبارا } عظيما عن قبول الحق .

فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد صورت عناد قوم نوح ، وجحودهم للحق ، تصويرا بلغ الغاية فى استحبابهم العمى على الهدى .

فهى - أولا - جاءت بصيغة " كلما " الدالة على شمول كل دعوة وجهها إليهم نبيهم نوح - عليه السلام - أى : فى كل وقت أدعوهم إلى الهدى يكون منهم الإعراض .

وهى - ثانيا - عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله - تعالى - : { جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ } . وعبر عن الأنامل بالأصابع على سبيل المبالغة فى إرادة سد المسامع ، فكأنهم لو أمكنهم إدخال أصابعهم جميعها فى آذانهم لفعلوا . حتى لا يسمعوا شيئا مما يقوله نبيهم لهم .

فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل ، لعلاقة البعضية ، حيث أطلق - سبحانه - الكل وأراد البعض ، مبالغة فى كراهيتهم لسماع كلمة الحق .

وهى - ثالثا - عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله - تعالى - : { واستغشوا ثِيَابَهُمْ } أى : بالغوا فى التَّغطِّى بها ، حتى لكأنهم قد طلبوا منها أن تلفهم بداخلها حتى لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا .

وهذا كناية عن العداوة الشديدة ، ومنه قول القائل : لبس لى فلان ثياب العداوة .

وهى - رابعا - قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك ، بل أضافوا إليه الإصرار على الكفر - وهو التشدد فيه ، والامتناع من الإِقلاع عنه مأخوذ من الصَّرة بمعنى الشدة - والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق .

فقد أفادت هذه الآية ، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك ما هو أقبح منها ظاهرا ، حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم ، وليس هناك ما هو أقبح منها باطنا ، حيث أصروا على كفرهم ، واستكبروا على اتباع الحق .