تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَـٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} (159)

كتمان العلم

{ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون( 159 ) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم( 160 ) }

المفردات :

البينات : الحجج الواضحات ، جمع بينة .

الهدى : ما يهدي إلى الحق والرشاد .

في الكتاب : المراد به ما يشمل جميع الكتب السماوية ، ومنها التوراة والإنجيل والقرآن .

يلعنهم الله : يطردهم من رحمته .

ويلعنهم اللاعنون : يسخط عليهم الناس .

159

التفسير :

{ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } .

إن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء نية ما انزل الله على رسله من آيات واضحة دالة على الحق ، ومن علم نافع يهدي إلى الرشد من بعد ما شرحناه للناس في كتاب يتلى ، أولئك الذين فعلوا ذلك يلعنهم الله . بأن يبعدهم عن رحمته ويلعنهم اللاعنون . أي ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة : كالملائكة والمؤمنين ، بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله .

وتفيد هذه الجملة الأخيرة نهاية الغضب عليهم ، حتى لكأنهم تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر ، ويتوجه إليها من كل من يستطيع اللعن ويِؤديه . إما بلسان المقال أو الحال ، أو يوم القيامة .

«قال أبو العالية : نزلت في أهل الكتاب ، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم »( 31 ) .

والآية الكريمة ، وإن كانت نزلت في أهل الكتاب بسبب كتمانهم للحق ، إلا أن وعيدها يتناول كل من كتم علما نافعا ، أو غير ذلك من الأمور التي يقتضي الدين بإظهارها ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وقد ورد في الحديث المسند من طريق يشد بعضها بعضا عن أبى هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من سئل من علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار » ( 32 ) .

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ، ثم تلا قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات . . . إلى قوله «الرحيم »( 33 ) .

هذا وينبغي أن يعلم أن الإسلام وإن كان ينهى نهيا قاطعا عن كتم العلم الذي فيه منفعة للناس ، إلا يوجب على أتباعه وخصوصا العلماء أن يحسنوا اختيار ما ينشرونه على الناس من علم ، قال علماؤنا : «ليس كل من يعلم يقال ، ولا كل ما يقال جاء وقته ، ولا كل ما جاء وقته حضر أهله » .

وقال ابن مسعود «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة » .

وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم :

«حدثوا الناس بما يفهمون . . . أتحبون أن يكذب الله ورسوله » ( 34 ) .

* * *

ركبت مرة مع سائق تاكسي في رمضان وكان مفطرا يدخن السيجارة في رائعة النهار ، فقلت له : لماذا لا تصوم ؟ قال : الصيام يجعلني سيئ الأخلاق على الناس ، أشتمهم أو أسيئ معاملتهم ، فأفطرت وسأطعم المساكين أو أتصدق عليهم ، وحاول أن يستشهد بالمعنى المفهوم له من قوله سبحانه { وعلى الذين يطيقون فدية } ، والتمس مني الموافقة على ذلك . فقلت له : أنت قوي البنية ، سليم الحواس ، موفور الصحة ، وتلك نعمة كبرى من الله تستحق منك الشكر ، والصيام ، ولو بعض أيام رمضان وأن تصلي الصلوات حتى تجد حلاوة الإيمان .

فإذا بليت بالإفطار فاستتر في مكان خال ، ولا تدخن أمام جماهير المسلمين .

لقد كان هذا السائق يريد أن يستغل بعض العلم ، في إطعام المساكين عند تعذر الصيام ، والتمس مني مساعدته في ذلك فكتمت عنه علم هذه المسألة ، لأني رأيته صحيح الجسم ويريد أن يستغلها في إفطار رمضان بدون رخصة أو عذر .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَـٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ} (159)

شرح الكلمات :

{ يكتمون } : يخفون ويغطون حتى لا يظهر الشيء المكتوم ولا يعرف فيؤخذ به .

{ البينات } : جمع بينة وهي ما يثبت به شيء المراد إثباته ، والمراد به هنا ما يثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من نعوت وصفات جاءت في كتاب أهل الكتاب .

{ الهدى } : ما يدل على المطلب الصحيح ويساعد على الوصول إليه والمراد به هنا ما جاء به رسول الله من الدين الصحيح المفضي بالآخذ به إلى الكمال والسعاة في الدنيا والآخرة .

{ فى الكتاب } : التوراة والإنجيل .

{ اللعنة } : الطرد والبعد من كل خير ورحمة .

{ اللاعنون } : من يصدر عنهم اللعن كالملائكة والمؤمنين .

المعنى :

عاد السياق بعد الإجابة عن تحرج بعض المسلمين من السعي بين الصفا والمروة عاد إلى التنديد بجرائم علماء أهل الكتاب ، ودعوتهم إلى التوبة بإظهار الحق والإيمان به فأخبر تعالى أن الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى في التوراة والإنجيل من صفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإيمان به وبما جاء به من الدين ، هؤلاء البعداء يلعنهم الله تعالى وتلعنهم الملائكة والمؤمنون . هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 159 ) .

الهداية :

من الهداية :

- حرمة كتمان العلم وفي الحديث الصحيح " من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار " .

وقال أبو هريرة رضي الله عنه في ظروف معينة : ( لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم حديثاً ) وتلا { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات } إلخ . . .