يقال : افترى فلان الكذب ؛ إذا اعتمله واختلقه ، وأصله من الفرى ، بمعنى : القطع ،
48 _ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء .
بعد أن عدد مثالب اليهود ، بين أنهم إذا دخلوا في الإسلام واتبعوا طريق الإيمان ، غفر الله لهم كما يغفر سبحانه لكل مؤمن .
والمعنى : إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غيرة توبة ، فمن مات من المسلمين بدون توبه من الذنوب التي اقترفها فأمره مفوض إلى الله إن شاء عفا عنه و أدخله الجنة ، وإن شاء عذبه وأدخله الجنة .
ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما . أي : ومن يجعل لغير الله شركة مع الله قيوم السموات و الأرض - سواء أكانت الشركة بالإيجاد أم بالتحليل و التحريم _ فقد اخترع ذنبا عظيم الضرر تستصغر في جنب عظمته جميع الذنوب و الآثام فهو جديد بألا يغفر ، وما دونه قد يمحى بالغفران .
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات ، وهي الحجة لأهل السنة ، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة ، وذلك أن مذهب أهل السنة أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله ، إن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم ، وحجتهم هذه الآية ، فإنها نص في هذا المعنى ، ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بد سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بد ، ويرد على الطائفتين قوله :
{ ويغفر ما دون ذلك } ومذهب المرجئة أن العصاة كلهم يغفر لهم ولا بد وأنه لا يضر ذنب مع الإيمان ، ويرد عليهم قوله : { لمن يشاء } ، فإنه تخصيص لبعض العصاة ، وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم ، فقالوا لمن يشاء ، وهو التائب لا خلاف أنه لا يعذب ، وهذا التأويل بعيد ، لأن قوله :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } في غير التائب من الشرك وكذلك قوله :{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } في غير التائب من العصيان ليكون أول الآية وآخرها على نسق واحد ، وتأولتها المرجئة على مذهبهم ، فقالوا لمن يشاء : معناه لمن يشاء أن يؤمن ، وهذا أيضا بعيد ، لا يقتضيه اللفظ وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد فحملها المعتزلة على العصاة وحملها المرجئة على الكفار ، وحملها أهل السنة على الكفار ، وعلى من لا يغفر الله له من العصاة ، كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا وعلى المذنبين التائبين ، وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين ، فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد ، بل يجمع بين معانيها ، بخلاف قول غيرهم فإن الآيات فيه تتعارض ، وتخليص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره : غفر له بإجماع ، وإن مات على كفره : لم يغفر له ، وخلد في النار بإجماع ، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له ، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.