تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

ثم أكد ما سلف بقوله سبحانه :

{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم*يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .

المفردات :

البشارة : في أصل اللغة إلقاء الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ويكون في السرور والحزن ، فهو حقيقة في كل منهما ، وعلى هذا جاءت الآية ، ثم خص في عرف اللغة بالخبر السار ، يقال لمن لقي مكروها : قد اسودّ وجهه غما وحزنا ، ولمن ناله الفرح والسرور : استنار وجهه وأشرق .

الكظيم : الممتلئ غما وحزنا ، والكظم مخرج النفس ، يقال : أخذ بكظمه ؛ إذا أخذ بمخرج نفسه ، ومنه كظم غيظه أي : حبسه عن الوصول إلى مخرج النفس .

يتوارى : يستخفي ، وقد كان من عادتهم في الجاهلية ، أن يتوارى الرجل حين ظهور آثار الطلق بامرأته ، فإن أخبر بذكر ابتهج ، وإن أخبر بأنثى حزن ، وبقي متواريا أياما يدبر فيها ما يصنع .

يمسكه : يحبسه ، كقوله تعالى : { أمسك عليك زوجك } . ( الأحزاب : 37 ) .

الهون : الهوان والذل .

يدسه : يخفيه .

التفسير :

-{ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم*يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } .

تحكي هذه الآيات جانبا من رذائل بعض القبائل العربية ، التي كثر بينها الحرب والغارة والقتال ، والعدوان ودفع العدوان والثأر ، فأكلت الحرب رجالهم وأموالهم ، وكانوا لا يهنئون إلا بثلاثة أشياء ، شاعر ينبغ ، أو ذكر يولد ، أو فرس تنتج ، وكلها عدة الحرب .

فالشاعر يمدح قبيلته ويتغنى بأمجادها ، ويهجو أعداءها ، والولد الذكر عدة الحرب والغارة ، في بلد لا سلطان فيه ولا قانون ، وإنما السيف هو السلطان والقانون ، والفرس : هو الخيل التي أقسم الله بها في كتابه ، وكانت عدة الحرب في الجاهلية والإسلام .

كانت بعض القبائل العربية تكره ولادة الأنثى ، وقد وصف القرآن ذلك أبلغ وصف ، وعبر عنه أقوى تعبير : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم . . . } .

فإذا علم أحد هؤلاء المشركين أنه ولد له أنثى ؛ ظل وجهه كئيبا حزينا ، مسودا من الهم ، ممتلئا غيظا وحنقا ، من شدة ما هو فيه من الحزن .

{ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب . . . } .

فهو يختفي عن القوم حياء وخجلا ، وحزنا وكمدا ؛ من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ، ولم تلد له ذكرا ، ويدور بخلده أحد أمرين :

1 إما أن يمسكها ويبقيها على قيد الحياة ، لكن بقاء ذلة وهوان ، فلا يورّثها ويعنى بها ، بل يفضل الذكور عليها .

2- وإما أن يدفنها في التراب ، وهي على قيد الحياة ، فيقتلها دون أن ترتكب ذنبا أو إثما ، قال تعالى : { وإذا الموءودة سئلت*بأي ذنب قتلت } ( التكوير : 9 ، 8 ) .

{ ألا ساء ما يحكمون } . أي : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ؛ حيث نسبوا البنات إلى الله ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن ، بدون ذنب أو ما يشبه الذنب .

وصدّر سبحانه هذا الحكم العادل عليهم ، بحرف ألا الاستفتاحية ؛ لتأكيد هذا الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ .

وأسند سبحانه الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل هذا كان بعضا منهم ؛ لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، وهذا الترك هو في ذاته جريمة يستحق عليها الجميع العقوبة ؛ لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به . 38 .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} (58)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم أخبر عنهم، فقال سبحانه: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى}، فقيل له: ولدت لك ابنة،

{ظل وجهه مسودا}، يعني: متغيرا،

{وهو كظيم}، يعني: مكروبا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وَإذَا بُشّرَ أحَدُهُمْ بالأُنثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ..." يقول: يجعلون لله البنات، ترضونهنّ لي ولا ترضونهنّ لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلد للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسها في التراب وهي حية...

عن قتادة، قوله: "وَإذَا بُشّرَ أحَدهُمْ بالأُنْثى ظَلّ وَجْهَهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ" وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته...

قال ابن عباس: "وَهُوَ كَظِيمٌ" قال: حزين...

عن الضحاك، في قوله: "وَهُوَ كَظِيمٌ" قال: الكظيم: الكميد.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم: قول العرب: قبح الله وجهك، و: سود الله وجهك، ليس على إرادة السواد والقبح، ولكن على إرادة ما يكرهون... وقال الحسن: قوله: {ظل وجهه مسودا}، أي: متغيرا من الغم.

{وهو كظيم}، أي: حزين، وهكذا العرف في الناس، أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم يظهر ذلك في وجوههم قبحا وسوادا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

: {وإذا بشر}، لما صرح بالشيء المبشر به، حسن ذكر البشارة فيه، وإلا فالبشارة مطلقة لا تكون إلا في خير،

{ظل وجهه مسوداً}، عبارة عن العبوس والتقطيب الذي يلحق المغموم، وقد يعلو وجه المغموم سواد وربدة، وتذهب شراقته، فلذلك يذكر له السواد، و {كظيم} بمعنى كاظم، كعليم وعالم، والمعنى: أنه يخفي وجده وهمه بالأنثى...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم بين حالهم إذا حصل لهم نوع ما جعلوه له سبحانه، فقال تعالى: {وإذا} أي: جعلوا كذا، والحال أنه إذا {بشر أحدهم}، ولما تعين المراد وزال المحذور، جمع بين الخساستين، كما بين آخر الصافات فقال تعالى: {بالأنثى}، أي: قابل هذه البشرى التي تستحق السرور بحصول نسمة تكون سبباً لزيادة هذا النوع، وقد تكون سبب سعادته، دالة على عظمة الله -بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئاً، بأن {ظل وجهه}، وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفوز فيه من الغيظ بقوله تعالى: {مسوداً}، أي: من الغم والكراهة، ولعله اختير لفظ "ظل "الذي معناه العمل نهاراً، وإن كان المراد العموم في النهار وغيره، دلالة على شهرة هذا الوصف شهرة ما يشاهد نهاراً. {وهو كظيم}، ممتلئ غيظاً على المرأة، ولا ذنب لها بوجه، والبشارة في أصل اللغة: الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور، ولا تكون إلا بالخبر الأول، ولعله عبر عنه بهذا اللفظ تنبيهاً على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم، وغير ذلك من أمرهم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

الواو في قوله تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} يجوز أن تكون واو الحال.

ويجوز أن تكون الجملة معترضة والواو اعتراضية اقتضى الإطالة بها أنها من تفاريع شركهم، فهي لذلك جديرة بأن تكون مقصودة بالذكر كأخواتها. وهذا أولى من أن تجعل معطوفة على جملة {ولهم ما يشتهون} [سورة النحل: 57] التي هي في موضع الحال، لأن ذلك يفيت قصدها بالعدّ. وهذا القصد من مقتضيات المقام وإن كان مآل الاعتبارين واحداً في حاصل المعنى.

والتّعبير عن الإعلام بازدياد الأنثى بفعل {بشر} في موضعين لأنه كذلك في نفس الأمر إذ ازدياد المولود نعمة على الوالد لما يترقّبه من التأنّس به ومزاحِه والانتفاع بخدمته وإعانته عند الاحتياج إليه، ولما فيه من تكثير نسل القبيلة الموجب عزّتها، وآصرة الصهر. ثم إن هذا مع كونه بشارة في نفس الأمر فالتّعبير به يفيد تعريضاً بالتهكّم بهم إذ يعُدون البشارة مُصيبة وذلك من تحريفهم الحقائق. والتّعريض من أقسام الكناية والكناية تجامع الحقيقة.

والباء في {بالأنثى} لتعدية فعل البشارة وعلّقت بذات الأنثى. والمراد؛ بولادتها، فهو على حذف مضاف معلوم.

وفعل {ظل} من أفعال الكون أخوات كان التي تدلّ على اتّصاف فاعلها بحالة لازمة فلذلك تقتضي فاعلاً مرفوعاً يدعى اسماً وحالاً لازماً له منصوباً يدعى خبراً لأنه شبيه بخبر المبتدأ. وسمّاها النّحاة لذلك نواسخ لأنها تعمل فيما لولاها لكان مبتدأً وخبراً فلما تغيّر معها حكم الخبر سمّيت ناسخة لرفعه، كما سميت (إنّ) وأخواتها و (ظنّ) وأخواتها كذلك. وهو اصطلاح تقريبي وليس برشيق.

ويستعمل {ظَلّ} بمعنى صار، وهو المراد هنا.

واسوداد الوجه: مستعمل في لون وجه الكئيب إذ ترهقه غبرة، فشبّهت بالسّواد مبالغة.

والكظيم: الغضبان المملوء حنقاً. وتقدم في قوله تعالى: {فهو كظيم} في سورة يوسف (84)، أي أصبح حنقاً على امرأته. وهذا من جاهليتهم الجهلاء وظلمهم، إذ يعاملون المرأة معاملة من لو كانت ولادة الذكور باختيارها، ولماذا لا يحنق على نفسه إذ يلقح امرأته بأنثى، قالت إحدى نسائهم أنشده الأصمعي تذكر بعلها وقد هجرها لأنها تلد البنات:

يَغْضَبُ إنْ لم نلد البنينا *** وإنما نُعطي الذي أعطينا.