103- ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون : أي أن أولئك اليهود النابذين لكتاب الله المتبعين للأوهام والأباطيل ، آمنوا بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أو بالتوراة إيمانا حقا ، واتقوا الله فاجتنبوا ما يؤثمهم ومنه السحر ، كانت لهم مثوبة من عند الله هي خير لهم من السحر ، ولو كانوا من أولى العلم الذين ينتفعون بما يعلمون ، لم يفعلوا ذلك ، ولكنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة فكفروا وعصوا فكانوا من الخاسرين . . وقريب منه ما ورد في قصة قارون من قوله تعالى :
وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون . ( القصص : 80 ) .
في الآية السابقة دليل على أن من يستخدم السحر ويؤمن به يكون من الكافرين ، لأن قوله تعالى : وما كفر سليمان . حجة على أن السحر ضرب من ضروب الكفر .
وقد أطلق القول بكفر من يزاوله العلامة التفتازاني .
قال ابن كثير : ( وقد يستبدل بقوله( ولو أنهم أمنوا واتقوا ) من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وقول طائفة من السلف ) ( 256 ) .
لكن الشيخ أبا منصور ذهب إلى أن إطلاق القول بأن السحر كفر خطأ وأنه يجب التفصيل فيه ، فإن كان فيه رد ما لزم من شروط الإيمان فهو كفر وإلا فلا .
وعلى هذا فالمراد من السحر الذي هو كفر ما كان بالتقرب إلى الشيطان بالسجود له أو لصنم غيره ، أو بالرقى بعبارات فيها شرك بالله تعالى ، أو نحو ذلك مما ينافي أصول العقيدة الإسلامية ، كاعتقاد الساحر أن ما يستعين به في سحر مثل الجن والنجوم لها قدرة على النفع والضر )( 257 ) .
وعقاب السحر الذي هو كفر : قتل الذكور وحبس الإناث وضربهن ما لم تقع منهم توبة .
وأما ما ليس بكفر ، وفيه إهلاك نفس ، ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث ، وتقبل توبة صاحبه إذا تاب ، هذا رأي بعض الفقهاء .
والمشهور عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الساحر يقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر ، سواء أكان ذكرا أم أنثى وتقبل توبته إذا تاب .
ومذهب مالك رضي الله عنه كما نقله القرطبي : أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا فإنه يقتل ، ولا يستتاب ، ولا تقبل توبته .
( وقد روى الشافعي وأحمد بن حنبل عن بجالة بن عبدة قال : كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال : فقتلنا ثلاث سواحر . وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا( 258 ) . وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت( 259 ) . قال الإمام أحمد بن حنبل : صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قتل الساحر ) ( 260 )
حكى القرطبي عن وهب : أنه قال : يؤخذ سبع ورقات من سدر( 261 ) فتدق بين حجرين ، ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به ، وهو جيد للرجل الذي يأخذ عن امرأته ، قال ابن كثير : أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان .
وفي الحديث : «لم يتعود بممثلهما » وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان( 262 ) .
قال صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال : الشرك بالله وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، والسحر ، وأكل مال اليتيم » ( 263 ) .
السحر : ما لطف مأخذه وخفي سببه .
سحره : خدعه ، ويقال أحيانا للشيء المعجب أو الحديث اللطيف . وقد جاء في الحديث «إن من البيان لسحرا » .
وماذا عملوا بعد ذلك ! لقد آثروا السِّحر ، واتبعوا ما يقصُّه الشياطين عن عهد سليمان . وما يضللون به الناس من دعاوى مكذوبة ، كزعمهم أن سليمان كان ساحراً ، وأنه سخر الانس والجن عن طريق السحر الذي يستخدمه ، وما كفَر سليمان وما كان ساحراً بل رسولاً من عند الله ، ولكن الشياطين هم الذين كفروا وتقوّلوا على سليمان هذه الأقأويل ، وأخذوا يعلّمون الناس السحر من عندهم .
{ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } في هذه الآية تفسيران : فبعض المفسرين يقول أن معناها : ولم ينزل الله على هاروت وماروت في بابل أي سحر . ويكون المعنى : واتَّبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر ، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا . . .
وقال بعضهم وهم أكثرون : يكون المعنى السحرَ الذي أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، مع أن هذين الملكين ما كانا يعلّمان أحدا حتى يقولا له إنما نعلّمك ما يؤدي إلى الفتنة والكفر فاعرفه ولا تعمل به .
ومن هنا أخذ بعض العلماء جواز تعلُّم السحر للعلم به وعدم العمل به .
ولكن الناس لم ينتصحوا بهذه النصيحة التي كان الملكان يقولانها لهم ، فاستخدموا ما يتعلّمون منهما ، وجعلوا يفرقون به بين المرء وزوجه .
وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ، وهذه قاعدة عظمى يقررها القرآن وهي : أن الضرر والنفع بإذن الله .
ولا يزال في وقتنا هذا مع ما تقدم العلم به من أبحاث كثيرٌ من السحر والشعوذة وغير ذلك من التنويم المغناطيسي والتلبثة . ونحن نجد كثيراً من الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد . ولقد رأيت كثيراً من هؤلاء المنوِّمين يأتون بالعجب العجاب ، وقرأت الكثير من القصص عن أناس عندهم خصائص عجيبة . وكل ما استطاع العلم أن يقوله تجاه هذه الأمور وهذه القوى أنه اعترف بها وأعطاها أسماء ، ولكنه عجز عن تفسيرها . وصدق الله العظيم : { وَمَآ أوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } .
أما من هما الملكان هاروت وماروت ؟ وهل هما رجلان حقيقة ؟ فلا يوجد خبر صحيح يثبت شخصيتهما أو حقيقة جنسهما . وإنما كانت قصتهما معروفة مشهورة ووردت في القرآن أشارات مجملة عنها{[2]} ، ولسنا مكلفين بالاستقصاء عنهما والأفضل عدم البحث في ذلك .
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ولكن الشياطين كفروا » بتخفيف النون من لكن ، ورفع الشياطين . وقرأ الباقون «ولكنّ » بالشديد ونصب الشياطين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.