{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين( 194 ) وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين( 195 ) }
الحرمات : واحدها حرمة وهي ما يجب احترامه والمحافظة عليه .
القصاص : المقاصة والمقاتلة بالمثل .
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص . . . }
إذا استباح المشركون الشهر الحرام الذي لا يحل فيه القتال وقاتلوكم فيه فقابلوا عدوانهم بمثله ، واستبيحوا الحرب فيه كما استباحوا . فإن الحرمات فيها القصاص .
قال ابن عباس وقتادة وغيرهما : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة ، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت ، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل فدخلها في السنة الآتية هو ومن معه من المسلمين ، وأقصه الله منهم فنزلت في ذلك هذه الآية : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } . وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال : لك يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا ، فإذا حضره حتى ينسلخ( 92 ) .
وسمي الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه ، والتعريف فيه على الراجح للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعا وهي أربعة : ذو القعدة وذو الحجة ، ورجب .
قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلمون فيهم أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } . ( التوبة : 36 ) .
والذي ينتهك المحرمات لا تصان حرمته وإذا أقدم المشركون على قتال المسلمين في الحرم أو في الشهر الحرام وجب على المسلمين أن يقاتلوهم على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للغدر والإضرار بالمسلمين .
{ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }
هذه الجملة هي النتيجة المتفرعة على ما سبق . وسمي جزاء الاعتداء اعتداء من باب المشاكلة .
وقد ورد في المعنى في كثير من آيات القرآن حيث أمر سبحانه بالعدل حتى مع المشركين وأمر بالانتصاف من الظالمين .
وقال تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } . ( النحل : 126 ) .
وقال سبحانه : { وجزاء سيئة سيئة بمثلها } . ( الشورى : 40 )
وقال عز شأنه : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } . ( الشورى : 41 ) .
قال الألوسي : ( واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق حتى لو ألقاه في ماء عذب ولم يلق في ماء ملح ، واستدل به أيضا على أن من غصب شيئا أو أتلفه لزمه رد مثله ، ثم إن المثل قد يكون عن طريق الصورة كما في ذوات الأمثال وقد يكون عن طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له ) ( 93 ) .
قال القرطبي : ( واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن ، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل ، لقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدوا عليكم .
وقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } . قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها ، وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال : " إنا بإناء وطعام بطعام " ( 94 ) .
أخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية ، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به فأخذني أفكل( 95 ) فكسرت الإناء فقلت : يا رسول الله ، ما كفارة ما صنعت ؟ قال : " إناء مثل إناء وطعام مثل طعام " ( 96 ) . ، وقال مالك وأصحابه : عليه في العروض لا تكال وتوزن القيمة لا المثل( 97 ) .
{ واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين }
أي راقبوا الله في أعمالكم وفي الانتصار لأنفسكم وترك الاعتداء فيما لم يرخص لكم فيه واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه بالنصر والرعاية والتأييد .
الشهر الحرام : هنا : ذو القعدة . وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة .
الحرمات : كل ما يجب احترامه والمحافظة عليه .
القصاص : المقاصة والمقابلة بالمثل .
الأشهر الحرم : رجب ، ذو القعدة ، ذو الحجة ، والمحرم . وكانت العرب تحرّم القتال في هذه الأشهر ، ثم جاء الإسلام فأقر ذلك . وفي عام ست من الهجرة أعلن النبي للمؤمنين وللناس جميعا أنه يريد العمرة ، ودعا الناس للخروج معه . وأحرم بالعمرة وساق معه سبعين بدنة هَدْياً إلى الله . وخرج معه ألف وأربعمائة من أصحابه . فلما بلغوا الحديبية ، وهو مكان قرب مكة ، خرجت قريش متأهبة للقتال ومنعته من دخول مكة . ثم جرت مفاوضات انتهت بالصلح على أن يرجع رسول الله من مكانه في ذلك العام ، ويعود في العام المقبل ليؤدي العمرة . فنحر الهديَ في ذلك المكان ، وحلق ، وأمر أصحابه أن يفعلوا ذلك وعاد إلى المدينة . فلما كان العام المقبل خرج معتمرا ومعه أصحابه ، ودخلوا مكة وأتموا العمرة ومناسكها ومكثوا فيها ثلاثة أيام ثم رجعوا إلى المدينة . وهذا معنى قوله : الشهر الحرام بالشهر الحرام . . يعني أن ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه إلى حرمه وبيته على كراهة مشركي قريش ، حيث قضيتم مناسككم ، لهو بالشهر الحرام الذي صدكم فيه مشركوا قريش قبل عام . وهكذا فقد أقصّكم الله منهم أيها المؤمنون ، فإذا اعتدوا عليكم في الشهر الحرام وقاتلوكم فيه ، فقابلوا ذلك بالدفاع عن أنفسكم فيه . إنه حرام عليهم كما هو حرام عليكم . وفي الحرمات والمقدسات شُرع القصاص والمعاملة بالمثل ، فمن اعتدى عليكم في مقدساتكم ، فادفعوا عدوانه بالمثل ، واتقوا الله فلا تسرفوا في القصاص ، واعلموا أن الله مع المتقين يعينهم وينصرهم .
وكان صلح الحديبية أول نصر سياسي كبير ، وأعظم توفيق من الله لنبيه الكريم ، وذلك باعتراف قريش به وبالمفاوضة معه وتوقيع الصلح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.