تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

44

المفردات :

أنشأنا قرونا : خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة .

فتطاول : تمادى وتباعد .

عليهم العمر : عليهم الزمن ، قال تعالى : { فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم . . } [ الحديد : 16 ] .

ثاويا : مقيما .

أهل مدين : قوم شعيب عليه السلام .

التفسير :

45-{ ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين }

هذه الآية استدراك ، لتأكيد المعنى السابق قبلها .

والمعنى :

ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا وأمما كثيرة ، تمادى وتباعد عليها الزمن ، فتغيرت الشرائع ، وتبدلت الأحكام ، وعميت عليهم الأنباء ، ولا سيما ما كان منهم في آخر هذه الأزمان ، من الذين أنت فيهم ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل ، لينذر قوما ما أتاهم من نذير من قبله لعلهم يهتدون .

{ وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا . . }

لقد تحدث القرآن عن قصة موسى ، واتجاهه صوب مدين وإصهاره إلى شعيب ، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مقيما في أرض مدين ليتسمع منهم ويتعلم هذه الأخبار عنهم ، ثم يتلوها على قومه ، بهذا الإخبار الصادق الذي أخبر به .

{ ولكنا كنا مرسلين }

ولكن ذلك لأننا أوحينا إليك ، وأرسلناك رسولا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

قوله تعالى : " ولكنا أنشأنا قرونا " أي من بعد موسى " فتطاول عليهم العمر " حتى نسوا ذكر الله أي عهده وأمره نظيره : " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " [ الحديد : 16 ] وظاهر هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا عليه السلام ذكر في ذلك الوقت ، وأن الله سيبعثه ، ولكن طالت المدة ، وغلبت القسوة ، فنسي القوم ذلك وقيل : آتينا موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود ، ثم تطاول العهد فكفروا ، فأرسلنا محمدا مجددا للدين وداعيا الخلق إليه . وقوله تعالى : " وما كنت ثاويا في أهل مدين " أي مقيما كمقام موسى وشعيب بينهم قال العجاج :

فبات حيث يدخل الثَّوِيُّ

أي الضيف المقيم . وقوله : " تتلو عليهم آياتنا " أي تذكرهم بالوعد والوعيد . " ولكنا كنا مرسلين " أي أرسلناك في أهل مكة ، وأتيناك كتابا فيه هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

{ ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } المعنى لم تحضر يا محمد للإطلاع على هذه الغيوب التي تخبر بها ، ولكنها صارت إليك بوحينا فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك ، ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم فكفروا بك ، وقيل : المعنى لكنا أنشأنا قرونا بعد زمان موسى فتطاول عليهم العمر وطالت الفترة فأرسلناك على فترة من الرسل .

{ ثاويا } أي : مقيما .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

ولما كان التقدير : وما كنت من أهل ذلك الزمان الحاضرين لذلك الأمر ، وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره ، استدرك ضد ذلك فقال : { ولكنا } أي بما لنا من العظمة { أنشأنا } أي بعد ما أهلكنا أهل ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار ، كلهم { قروناً } أي ما أخرنا أحداً من أهل ذلك الزمان ، ولكنا أهلكناهم كلهم وأنشأنا بعدهم أجيالاً كثيرة { فتطاول } بمروره وعلوه { عليهم العمر } جداً بتدرج من الزمان شيئاً فشيئاً فنسيت تلك الأخبار ، وحرفت ما بقي منها الرهبان والأحبار ، ولا سيما في زمان الفترة ، فوجب في حكمتنا إرسالك فأرسلناك لتقوم المحجة ، وتقوم بك الحجة ، فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك لم تشاهده ولا تعلمته من مخلوق إنما هو عنا وبوحينا .

ولما نفى العلم بذلك بطريق الشهود ، نفى سبب العلم بذلك فقال : { وما كنت ثاوياً } أي مقيماً إقامة طويلة مع الملازمة بمدين { في أهل مدين } أي قوم شعيب عليه السلام { تتلوا } أي تقرأ على سبيل القص للآثار والأخبار الحق { عليهم آياتنا } العظيمة ، لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق أخباره ، فيكون خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه لهم من شأنك ، لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه { ولكنا كنا } أي كوناً أزلياً أبدياً نسبته إلى جميع الأزمنة بما لنا من العظمة ، على حد سواء { مرسلين* } أي لنا صفة القدرة على الإرسال ، فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم أرسلنا إليك في هذا الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم لتنشرها في الناس ، واضحة البيان سالمة من الإلباس ، لأنا كنا شاهدين لذلك كله ، لم يغب عنا شيء منه ولا كان إلا بأمرنا .