تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

المفردات :

دعواهم فيها : أي : دعاؤهم فيها .

التفسير :

9 { دعواهم فيها سبحانك اللهم } .

أي : يبدءون دعاءهم وثناءهم على الله بهذه الكلمة : { سبحانك اللهم } . أي : تنزيها وتقديسا لك يا الله ، أو اللهم ، إنا نسبّحك .

قال الإمام الرازي : إنه لا عبادة لأهل الجنة ، إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى .

{ وتحيتهم فيها سلام } .

وما يحيون به في الجنة لفظ السلام ، الدال على الأمن والطمأنينة والسلامة في كل مكروه ؛ وهذا السلام هو تحية الله لهم .

قال تعالى : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } . ( الأحزاب : 44 ) . وهو تحية الملائكة لهم عند دخول الجنة .

قال تعالى : { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } . ( الزمر : 73 ) .

وأهل الجنة يعيشون في سلام وأمان بعيدين عن اللغو والآثام ؛ قال تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما } . ( الواقعة : 25 ، 26 ) .

{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } .

أي : أن آخر دعائهم : أن يشكروا الله تعالى ؛ على ما أنعم عليهم من نعم ظاهرة وباطنة ، ويختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين .

قال ابن كثير : وفي هذا دلالة على أنه سبحانه هو المحمود أبدا ، المعبود على طول المدى ؛ ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره ، وعند ابتداء تنزيل كتابه ، حيث يقول تعالى : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } . ( الأنعام : 1 ) .

ويقول سبحانه : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } . ( الكهف : 1 ) .

كما نجد أن حمد الله هو آخر كلام الملائكة ؛ قال تعالى : { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } . ( الزمر : 75 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

قوله تعالى : " دعواهم فيها سبحانك اللهم " دعواهم : أي دعاؤهم ، والدعوى مصدر دعا يدعو ، كالشكوى مصدر شكا يشكو ، أي دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم وقيل : إذا أرادوا أن يسألوا شيئا أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد . وقيل : نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاؤوا ثم سبحوا . وقيل : إن الدعاء هنا بمعنى التمني قال الله تعالى " ولكم فيها ما تدعون{[8433]} " [ فصلت : 31 ] أي ما تتمنون . والله أعلم . " وتحيتهم فيها سلام " أي تحية الله لهم أو تحية الملك أو تحية بعضهم لبعض : سلام . وقد مضى في " النساء " معنى التحية مستوفى{[8434]} . والحمد لله .

قوله تعالى : { وآخرهم دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } فيه أربع مسائل :

الأولى : قيل : إن أهل الجنة إذا مر بهم الطير واشتهوه قالوا : سبحانك اللهم ، فيأتيهم الملك بما اشتهوا ، فإذا أكلوا حمدوا الله فسؤالهم بلفظ التسبيح والختم بلفظ الحمد . ولم يحك أبو عبيد إلا تخفيف " أن " ورفع ما بعدها ؛ قال : وإنما نراهم اختاروا هذا وفرقوا بينها وبين قوله عز وجل : " أن لعنة الله " و " أن غضب الله " لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال الحمد لله . قال النحاس : مذهب الخليل وسيبويه أن " أن " هذه مخففة من الثقيلة . والمعنى أنه الحمد لله . قال محمد بن يزيد : ويجوز " أن الحمد لله " يعملها خفيفة عملها ثقيلة ، والرفع أقيس . قال النحاس : وحكى أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة قرأ " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . قلت : وهى قراءة ابن محيصن ، حكاها الغزنوي لأنه يحكي عنه .

الثانية - التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء ، روى مسلم والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم . لا إله إلا الله رب العرش العظيم . لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) . قال الطبري : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب . وقال ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال : أما علمت أن الله تعالى يقول ( إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) . والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوة ذي النون إذا دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له ) .

الثالثة - من السنة لمن بدأ بالأكل أن يسمي الله عند أكله وشربه ويحمده عند فراغه اقتداء بأهل الجنة ، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) .

الرابعة - يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ، وحسن أن يقرأ آخر " والصافات{[8435]} " فإنها جمعت تنزيه البارئ تعالى عما نسب إليه ، والتسليم على المرسلين ، والختم بالحمد لله رب العالمين .


[8433]:راجع ج 15 ص 43
[8434]:راجع ج 5 ص 297
[8435]:راجع ج 15 ص 140