تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

{ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ 7 أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ 8 }

المفردات :

لا يرجون لقاءنا : لا يتوقعون الرجوع إلى الله تعالى .

التفسير :

7 { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } .

هذه الآية والتي تليها تبين مصير من كفر بالبعث ، ومصير من غفل عن آيات الله .

لقد وصفتهم الآية بأربع صفات :

1 { إن الذين لا يرجون لقاءنا } .

أي : لا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة للحساب والجزاء ؛ فقد خلت قلوبهم من الإيمان بالآخرة والعمل لها ، وعدم عمل أي حساب لها وقريب من ذلك قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزر علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا } . ( الفرقان : 21 ) .

2 { ورضوا بالحياة الدنيا } .

لقد رضوا بالحياة الدنيا ، وألقوا زينتها ، ومتعوا ، ولم يفكروا إلا في تشبعهم في زينة الدنيا والركون إليها ، والاغتراف من لذائذها وشهواتها وأعرضوا عن الآخرة وما فيها من نعيم مقيم .

قال الإمام الرازي : استغرقوا في طلب اللذائذ الحسية ، واكتفوا بها ، وتفرغوا لها .

3 { واطمأنوا بها } .

أي : سكنوا فيها سكون من لا يبرحها ، آمنين من المزعجات .

قال الإمام الرازي : اطمأنوا إلى الدنيا اطمئنان الشخص إلى الشيء الذي لا ملاذ له سواه .

فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله ، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير ، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا .

4 { والذين عن آياتنا غافلون } .

لقد غفلوا عن آيات الله في هذا الكون ، وعن آيات الله وشرائعه المنزلة على رسله ؛ فلم تتحرك قلوبهم إلى النظر أو التأمل في هذا الكون البديع المنظم لينتقلوا من جمال الصنعة إلى جمال الصانع ، ولم تتحر ك عقولهم للنظر في الأدلة الشرعية والبراهين الداعية إلى الإيمان ، ولم يتزودوا ليوم الوعيد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

قوله تعالى : " إن الذين لا يرجون لقاءنا " " يرجون " يخافون ، ومنه قول الشاعر :

إذا لسعته النحل لم يرجُ لَسْعَهَا *** وخالفها في بيت نُوبٌ عواسل{[8429]}

وقيل يرجون يطمعون ، ومنه قول الآخر :

أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي*** وقومي تميم والفلاة ورائيا

فالرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع ، أي لا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا . وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيما لهما . وقيل : يجري اللقاء على ظاهره ، وهو الرؤية ، أي لا يطمعون في رؤيتنا . وقال بعض العلماء : لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد ، كقوله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا{[8430]} " [ نوح : 13 ] . وقال بعضهم : بل يقع بمعناه في كل موضع دل عليه المعنى .

قوله تعالى : " ورضوا بالحياة الدنيا " أي رضوا بها عوضا من الآخرة فعملوا لها . " واطمأنوا بها " أي فرحوا بها وسكنوا إليها ، وأصل اطمأن طأمن طمأنينة ، فقدمت ميمه وزيدت نون وألف وصل ، ذكره الغزنوي . " والذين هم عن آياتنا " أي عن أدلتنا " غافلون " لا يعتبرون ولا يتفكرون .


[8429]:البيت لأبي ذؤيب. وقوله: "وخالفها" بالخاء المعجمة: جاء إلى عسلها وهي غائبة ترعى. ويروى "وحالفها" بالمهملة أي لازمها. والنوب: النحل: لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها ويروى "عوامل" وهي التي تعمل العسل والشمع. (عن شرح ديوان أبي ذؤيب).
[8430]:راجع ج 19 ص 303.