رواسي : جمع راسية وراس ، وهي : الثوابت في الأرض من الجبال .
أن تميد بكم : يعني : لئلا تميد بكم ، والميد : هو الحركة والاضطراب يمينا وشمالا .
{ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون } .
تستمر سورة النحل التي تسمى : سورة النعم ، في عرض أنعم الله على عباده فتقول :
{ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } .
أي : حفظ الله توازن الأرض ، وثباتها وعدم اضطرابها ؛ بالجبال الراسيات الثوابت .
إن الأرض كانت كرة خفيفة قبل أن تخلق فيها الجبال ، وكان من حقها أن تتحرك كالأفلاك بأدنى سبب ، فلما خلقت الجبال توجهت بثقلها نحو المركز ، فصارت كالأوتاد لها . اه .
وقد امتن الله على عباده بالجبال في أكثر من آية ، فالجبال كالأوتاد في حفظ الأرض ، وتحفظ الماء في رءوسها في فصل الشتاء ؛ ليسيل على الوديان والوهاد في فصول : الصيف ، والربيع ، والخريف .
والجبال مكان أمين حصين ، وملجأ للهارب ، والمعتزل عن الدنيا ، والراغب في التأمل والعبادة ، ولأمر مّا بدأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء ، وبدأت الهجرة من غار ثور ، وكانت معركة أحد على جبل أحد ، وناجى الله موسى من فوق جبل الطور ، ومناسك الحج تتم بالسعي بين الصفا والمروة وهما جبلان ، ويقف الحجيج على جبل عرفات يوم التاسع من ذي الحجة ، فالجبال وسيلة للصفا والنقاء ، والتفرغ الروحي ، وقد اهتز الجبل وغاص في الأرض دكا ؛ عندما تجلى الله له .
قال تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } . ( الأعراف : 143 ) .
وفي آخر سورة الحشر نجد عددا من أسماء الله تعالى ، وقبلها مباشرة نجد هذه الآية : { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } . ( الحشر : 21 ) .
وقال تعالى : { خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم . . . } . ( لقمان : 10 ) .
وقال عز وجل : { ألم نجعل الأرض مهادا*والجبال أوتادا } . ( النبأ : 7 ، 6 ) .
{ وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون } .
من كمال إعمار الأرض ، أن يسر الله فيها الأنهار والطرق ، فنجد الأنهار تنبع من مكان ، وتسير في مكان ، وتصب في مكان آخر .
فنهر النيل ينبع من إفريقيا ويسير طويلا في بلاد السودان ، ويستفيد منه أهل مصر ، وكذلك الطرق التي يسلكها الناس للرعي والتجارة والسياحة ، وقد تحدث ثلمة في الجبل ؛ لتكون ممرا طريقا قال تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } . ( الأنبياء : 31 ) .
{ لعلكم تهتدون } . أي : جعل في الأرض طرقا ومسالك ؛ لعلكم تهتدون بتلك الطرق ، إلى المكان الذي تريدون الوصول إليه ، فلا تضلون .
قال تعالى : { والله جعل لكم الأرض بساطا*لتسلكوا منها سبلا فجاجا } . ( نوح : 20 ، 19 ) .
قوله تعالى : " وألقى في الأرض رواسي " أي جبالا ثابتة . رسا يرسو إذا ثبت وأقام . قال :
فصبرتُ عارفةً لذلك حرة *** ترسو إذا نفسُ الجَبان تَطَلَّعُ{[9836]}
" أن تميد بكم " أي لئلا تميد ، عند الكوفيين . وكراهية أن تميد ، على قول البصريين . والميد : الاضطراب يمينا وشمالا ، ماد الشيء يميد ميدا إذا تحرك ، ومادت الأغصان تمايلت ، وماد الرجل تبختر . قال وهب بن منبه : خلق الله الأرض فجعلت تميد وتمور ، فقالت الملائكة . إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ، ولم تدر الملائكة مم خلقت الجبال . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما خلق الله الأرض قَمَصَت ومالت وقالت : أي رب ! أتجعل علي من يعمل بالمعاصي والخطايا ، ويلقي علي الجيف والنتن ! فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون . وروى الترمذي في آخر " كتاب التفسير " حدثنا محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال قالوا : يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال : نعم الحديد ، قالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، فقالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال : نعم الماء ، قالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالوا : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله ) . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه .
قلت : وفي هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب ، وقد كان قادرا على سكونها دون الجبال . وقد تقدم هذا المعنى . " وأنهارا " أي وجعل فيها أنهارا ، أو ألقى فيها أنهارا . " وسبلا " أي طرقا ومسالك . " لعلكم تهتدون " أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيرون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.