ثم أبان الله تعالى وجود الشبه ، بين الكفار القدامى والجدد ، في الجرم والعقاب فقال : { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } .
قد مكر الذين من قبلهم : وهو نمروذ بن كنعان ، بنى صرحا طويلا ببابل ، سمكه خمسة آلاف ذراع ؛ ليصعد منها إلى السماء ؛ ليقاتل أهلها .
والمكر : صرف غيرك عما يريده بحيلة ، ويراد به هنا : مباشرة الأسباب وترتيب المقدمات ، والمقصود بالآية : المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وأن هلاكهم محقق كما حدث لمن قبلهم .
فأتى الله بنيانهم من القواعد : أهلكه وأفناه ، فأرسل عليه الريح والزلزلة ؛ فهدمته من الأساس ، كما يقال : أتى عليه الدهر .
القواعد : الدعائم والعمد والأساس ، واحدها : قاعدة .
السقف من فوقهم : أي : وهم تحته .
وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون : من جهة لا تخطر ببالهم ، أي : من جهة لا يحتسبونها ولا يتوقعونها ، وقيل : هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل .
أكثر المفسرون على : أن المراد بهذه الآية ، هو : نمروذ بن كنعان ، بنى صرحا عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع ، ويمكن أن تكون الآية عامة في كل ظالم مكابر ، مثل قوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون . . قال تعالى : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } . ( الأنعام : 123 ) .
وفي الآية تشبيه هيئة القوم الذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة ، وأزال تلك العزة ؛ بهيئة قوم أقاموا بنيانا عظيما ذا دعائم ، وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده ، فخر سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعا ، فهذا من أبدع الاستعارات التمثيلية ؛ لأنها تنحل إلى عدة استعارات .
أي : قد كاد لدين الله ورسله من تقدمهم من الأمم ، واحتالوا بمختلف الوسائل ؛ لإطفاء نور الله ؛ فأهلكهم الله تعالى في الدنيا ، بأن دمر مبانيهم من قواعدها ، وسقط عليهم السقف من فوقهم ، وأبطل كيدهم ، وأحبط أعمالهم ، وأطبق عليهم العذاب من كل جانب ، ومن حيث لا يحسون بمجيئه ولا يتوقعون ، فإن الأخذ فجأة أشد نكاية ؛ لما يصحبه من الرعب الشديد ، فاعتبروا يا أهل مكة وأمثالكم ، وهذا كله تمثيل لصورة العذاب ومضمونه : إهلاكهم من الله تعالى : 15 .
وخلاصة ذلك : أن الله أحبط أعمالهم ، وجعلها وبالا عليهم ، ونعمة منهم .
قوله تعالى : " قد مكر الذين من قبلهم " أي سبقهم بالكفر أقوام مع الرسل المتقدمين فكانت العاقبة الجميلة للرسل . " فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم " قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما : إنه النمرود بن كنعان وقومه ، أرادوا صعود السماء وقتال أهله ، فبنوا الصرح ليصعدوا منه بعد أن صنع بالنسور ما صنع ، فخر . كما تقدم بيانه في آخر سورة " إبراهيم " .
" {[9855]} . ومعنى " فأتى الله بنيانهم " أي أتى أمره البنيان ، إما زلزلة أو ريحا فخربته . قال ابن عباس ووهب : كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف . وقال كعب ومقاتل : كان طول فرسخين ، فهبت ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي . ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا ، فلذلك سمي بابل ، وما كان لسان قبل ذلك إلا السريانية وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " {[9856]} . وقرأ ابن هرمز وابن محيصن " السقف " بضم السين والقاف جميعا . وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفا ، كما تقدم في " وبالنجم " في الوجهين . والأشبه أن يكون جمع سقف . والقواعد : أصول البناء ، وإذا اختلت القواعد سقط البناء . وقوله : " من فوقهم " قال ابن الأعرابي : وُكِد ليعلمك أنهم كانوا حالِّين تحته . والعرب تقول : خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه . فجاء بقوله : " من فوقهم " ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال : " من فوقهم " أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا . وقيل : إن المراد بالسقف السماء ، أي إن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم ، قاله ابن عباس . وقيل : إن قوله : " فأتى الله بنيانهم من القواعد " تمثيل ، والمعنى : أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه . وقيل : المعنى أحبط الله أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه . وقيل : المعنى أبطل مكرهم وتدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السقف من فوقه . وعلى هذا اختلف في الذين خر عليهم السقف ، فقال ابن عباس وابن زيد ما تقدم . وقيل : إنه بختنصر وأصحابه ، قاله بعض المفسرين . وقيل : المراد المقتسمون الذين ذكرهم الله في سورة الحجر{[9857]} ، قاله الكلبي . وعلى هذا التأويل يخرج وجه التمثيل ، والله أعلم . " وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون " أي من حيث ظنوا أنهم في أمان . وقال ابن عباس : يعني البعوضة التي أهلك الله بها نمرودا{[9858]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.