تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (7)

قصة موسى عليه السلام

{ إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون( 7 ) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين( 8 ) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم( 9 ) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون( 10 ) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم( 11 ) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين( 12 ) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين( 13 ) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين( 14 ) }

المفردات :

آنست : أبصرت إبصارا حصل لي به أنس .

بخبر : عن الطريق وحاله .

بشهاب : بشعلة نار .

قبس : قطعة من النار مقبوسة ، ومأخوذة من أصلها .

تصطلون : تستدفئون بها ، قال الشاعر :

النار فاكهة الشتاء فمن يرد *** أكل الفواكه شاتيا فليصطل

التفسير :

{ إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون } .

كان موسى عليه السلام قد خرج من مصر حين علم أن الملأ من قومها يأتمرون به ليقتلوه ، فخرج إلى سيناء وانتهى في رحلته إلى مدين ، حيث عمل أجيرا عند شعيب في مقابل تزويجه إحدى ابنتيه ، فلما قضى عشر سنين في أرض مدين ، حنّ للرجوع إلى مصر ، وسار بأهله ، فأدركها المخاض عند الطور فوضعت في ليلة شاتية باردة ، وكان قد حاد عن الطريق لأمر شاءه الله تعالى .

وقد أصبح بحاجة إلى أمرين :

أحدهما : أن يجد من يرشده إلى الطريق الموصل إلى مصر .

ثانيهما : أن يوقد نارا ليستدفئ هو وأهله .

قال تعالى : { فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } [ القصص : 29 ] .

{ إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا . . }

تأتي هذه الآية عقب قوله تعالى : { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } [ النمل : 6 ]

أي : لست بدعا من الرسل ، ولست وحدك الذي تلقيت وحي السماء إلى الأرض ، فاذكر فضلا مشابها حين سار موسى من مدين إلى مصر ليلا ، في طريق مظلم قرب الطور ، فآنس نارا في ظلام الليل ، وكانت النار توقد ليلا لأمرين :

1-إكرام الضيف .

2-هداية الساري بالليل .

ومن ذلك قول حاتم الطائي لغلامه :

-إن الليل ليل قرّ ، والريح يا غلام ريح صر ، فإن جلبت ضيفا فأنت حرّ .

أدرك موسى النار وقد فرح برؤيتها ، وقال لزوجته : إني آنست نارا قد سررت لرؤيتها ، فامكثوا في مكانكم ، وسأذهب إلى هذه النار : { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون }

لقد سررت برؤية النار وتوقعت عندها الخير فامكثوا في مكانكم ، لأذهب إليها ، حتى أسأل عن الطريق الموصل إلى مصر ، وأحضر منها قبسا1 نستدفئ به في قرّ الصحراء ، ومضى موسى إلى النار ، التي آنسها ينشد خبرا ، فإذا هو يتلقى النداء الأسمى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ} (7)

قوله تعالى : " إذ قال موسى لأهله " " إذ " منصوب بمضمر وهو : أذكر ، كأنه قال على أثر قوله . " وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم " : خذ يا محمد من آثار حكمته وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله : " إني آنست نارا "

" إني آنست نارا " أي أبصرتها من بعد . قال الحرث بن حلزة :

آنستْ نَبْأَةً وأفزَعَهَا القَنَّ***اصُ عصراً وقد دَنَا الإِمْسَاءُ{[12255]}

" سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون " قرأ عاصم وحمزة والكسائي : " بشهاب قبس " بتنوين " شهاب " . والباقون بغير تنوين على الإضافة ؛ أي بشعلة نار ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم . وزعم الفراء في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم : ولدار الآخرة ، ومسجد الجامع ، وصلاة الأولى ، يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه . قال النحاس : إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين ؛ لأن معنى الإضافة في اللغة ضم شيء إلى شيء فمحال أن يضم الشيء إلى نفسه ، وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليتبين به معنى الملك أو النوع ، فمحال أن يتبين أنه مالك نفسه أو من نوعها . و " شهاب قبس " إضافة النوع والجنس ، كما تقول : هذا ثوب خز ، وخاتم حديد وشبهه . والشهاب كل ذي نور ، نحو الكوكب والعود الموقد . والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه ، فالمعنى بشهاب من قبس . يقال . أقبست قبسا ، والاسم قبس . كما تقول : قبضت قبضا . والاسم القبض . ومن قرأ : " بشهاب قبس " جعله بدلا منه . المهدوي : أو صفة له ؛ لأن القبس يجوز أن يكون اسما غير صفة ، ويجوز أن يكون صفة ، فأما كونه غير صفة فلأنهم قالوا قبسته أقبسه قبسا والقبس المقبوس ، وإذا كان صفة فالأحسن أن يكون نعتا . والإضافة فيه إذا كان غير صفة أحسن . وهي إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه . ولو قرئ بنصب قبس على البيان أو الحال كان أحسن . ويجوز في غير القرآن بشهاب قبسا على أنه مصدر أو بيان أو حال . " لعلكم تصطلون " أصل الطاء تاء فأبدل منها هنا طاء ؛ لأن الطاء مطبقة والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا ، ومعناه يستدفئون من البرد . يقال : اصطلى يصطلي إذا استدفأ . قال الشاعر :

النار فاكهة الشتاء فمن يُرِدْ *** أكل الفواكه شاتيا فليصْطَلِ

الزجاج : كل أبيض ذي نور فهو شهاب . أبو عبيدة : الشهاب النار . قال أبو النجم :

كأنما كان شهابا واقدا *** أضاء ضوءا ثم صار خامدا

أحمد بن يحيى : أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه . وقول النحاس فيه حسن ، والشهاب الشعاع المضيء ومنه الكوكب الذي يمد ضوءه في السماء . وقال الشاعر :

في كفه صَعْدَةٌ{[12256]} مُثَقَّفَةٌ *** فيها سِنَانٌ كشُعلةِ القَبَسِ


[12255]:آنست: أحست. والنبأة: الصوت الخفي.
[12256]:الصعدة: القناة التي تنبت مستقيمة.