تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

المفردات :

وأذان : الأذان : الإعلام بأمر مهم ، وشاع إطلاق الأذان على النداء للصلاة .

يوم الحج الأكبر : المراد به : يوم عيد النحر وقيل : يوم عرفة .

وبشر الذين كفروا بعذاب أليم : أي : وأنذرهم بعذابه فإن التبشير كما يستعمل كثيرا في الإخبار بما يسر ، يستعمل قليلا في الإخبار بما يسوء ، لغرض الإهانة والتحقير .

التفسير :

3 – { وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ . . . }

أي : وإعلان وإيذان من الله ورسوله إلى الناس عامة ، يوم الحج الأكبر – وهو يوم عيد النحر – حيث تجتمع الخلائق في أكبر تجمع لهم ، بأن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأن هذه العهود قد نبذت إليهم ، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم لمواثيقهم ، وأسند سبحانه الأذان إلى الله ورسوله ، كما سندت البراءة إليهما ؛ إعلاء لشأن ذلك ، وتأكيد لأمره ولا تكرار بين ما جاء في هذه الآية ، وما جاء في الآية الأولى ؛ فإن الأولى فيها إخبار بثبوت البراءة من الناكثين لعهدهم ، وأما هذه ففيها إعلام جميع الناس بذلك .

قال الزمخشري :

فإن قلت : أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية .

قالت : في تلك إخبار بثبوت البراءة ، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت . ا ه .

وذهب بعض العلماء إلى أن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة وقيل : جميع أيام الحج ، ورجح الإمام ابن جرير الطبري وغيره ، أن يوم الحج الكبر هو يوم النحر ، " ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه ؛ فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة . . . ويكون فيه ذبح القرابين وحلق الرءوس ، ورمي الجمار ، ومعظم أفعال الحج " 6 .

" وقد ثبت في الصحيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا يوم عرفه ، وفي سنن أبي داود بأصح إسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يوم الحج الأكبر يوم النحر " ، وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة " 7 .

وقد ساق ابن كثير طائفة من الأحاديث الشريفة تفيد : أن عليا كان ينادي بأربع :

1 – لا يطوف بالبيت عريان .

2 – لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة .

3 – لا يحج بعد عامنا هذا مشرك .

4 – من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته .

{ فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } .

أي : فإن رجعتم خلال هذه المهلة عما أنتم فيه من الشرك وسائر المعاصي ، فرجوعكم هذا أنفع لكم في دنياكم وأخراكم . . .

أي : وإن أعرضتم عن الإيمان ، وأبيتم إلا الإقامة على باطلكم . { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } . أي : فأيقنوا أنكم لا مهرب لكم من عقاب الله ، ولا إفلات لكم من أخذه وبطشه ؛ لأنكم أينما كنتم فأنتم في قبضته ، وتحت قدرته .

{ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ، أي : وبشر أيها الرسول من أنكر رسالتك ، ولم يؤمن بالله وملائكته ، بعذاب مؤلم شديد الألم في الآخرة ، والتعبير بالتبشير عن الإنذار ؛ لغرض التهكم والسخرية ، بمن يتولى ويعرض عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، مع وضوح الحق في جانبه .

/خ4

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " وأذان " الأذان : الإعلام لغة من غير خلاف . وهو عطف على " براءة " . " إلى الناس " الناس هنا جميع الخلق . " يوم الحج الأكبر " ظرف ، والعامل فيه " أذان " . وإن كان قد وصف بقوله : " من الله " ، فإن رائحة الفعل فيه باقية ، وهي عاملة في الظروف . وقيل : العامل فيه " مخزي " ولا يصح عمل " أذان " ، لأنه قد وصف فخرج عن حكم الفعل .

الثانية - واختلف العلماء في الحج الأكبر ، فقيل : يوم عرفة . روي عن عمر وعثمان وابن عباس وطاوس ومجاهد . وهو مذهب أبي حنيفة ، وبه قال الشافعي . وعن علي وابن عباس أيضا وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة أنه يوم النحر . واختاره الطبري . وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : ( أي يوم هذا ) فقالوا : يوم النحر فقال : ( هذا يوم الحج الأكبر ) . أخرجه أبو داود . وخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . ويوم الحج الأكبر يوم النحر . وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس : الحج الأصغر . فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام ، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشرك . وقال ابن أبي أوفى : يوم النحر يوم الحج الأكبر ، يهراق فيه الدم ، ويوضع فيه الشعر ، ويلقى فيه التفث ، وتحل فيه الحرم . وهذا مذهب مالك ؛ لأن يوم النحر فيه كالحج كله ؛ لأن الوقوف إنما هو ليلته ، والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته . احتج الأولون بحديث مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يوم الحج الأكبر يوم عرفة ) . رواه إسماعيل القاضي . وقال الثوري وابن جريج : الحج الأكبر أيام منى كلها . وهذا كما يقال : يوم صفين ويم الجمل ويوم بعاث{[7836]} ، فيراد به الحين والزمان لا نفس اليوم . وروي عن مجاهد : الحج الأكبر القران{[7837]} ، والأصغر الإفراد . وهذا ليس من الآية في شيء . وعنه وعن عطاء : الحج الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة ، والأصغر العمرة . وعن مجاهد أيضا : أيام الحج كلها . وقال الحسن وعبدالله بن الحارث بن نوفل : إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون ، واتفقت فيه يومئذ أعياد الملل : اليهود والنصارى والمجوس . قال ابن عطية : هذا ضعيف أن يصفه الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا . وعن الحسن أيضا : إنما سمي الأكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود . وهذا الذي يشبه نظر الحسن . وقال ابن سيرين : يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وحجت معه فيه الأمم .

الثالثة - قوله تعالى : " أن الله بريء من المشركين ورسوله " " أن " بالفتح في موضع نصب . والتقدير بأن الله . ومن قرأ بالكسر قدره بمعنى قال : إن الله " بريء " خبر أن . " ورسوله " عطف على الموضع ، وإن شئت على المضمر المرفوع في " بريء " . كلاهما حسن ؛ لأنه قد طال الكلام . وإن شئت على الابتداء والخبر محذوف ؛ التقدير : ورسوله بريء منهم . ومن قرأ " ورسوله " بالنصب - وهو الحسن وغيره - عطفه على اسم الله عز وجل على اللفظ . وفي الشواذ " رسوله " بالخفض على القسم ، أي وحق رسوله ، ورويت عن الحسن . وقد تقدمت قصة عمر فيها أول{[7838]} الكتاب . " فإن تبتم " أي عن الشرك . " فهو خير لكم " أي أنفع لكم . " وإن توليتم " أي عن الإيمان . " فاعلموا أنكم غير معجزي الله " أي فائتيه ، فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم .


[7836]:صفين (بكسرتين وتشديد الفاء): موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات. كان فيه وقعة بين علي رضي الله عنه ومعاوية في سنة 37 هـ. ويوم الجمل كان فيه وقعة بين علي وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما ، قتل فيه عدة من الصحابة وغيرهم وكان في سنة 36 هـ يوم بعاث (بضم أوله والعين المهملة، وحكاه بعضهم بالغين المعجمة) موضع من المدينة على ليلتين. كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية.
[7837]:القران (بالكسر) : الجمع بين الحج والعمرة. والإفراد: هو أن يحرم بالحج وحده.
[7838]:راجع ج 1 ص 24