فاستمعوا بخلاقهم : فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من الملاذ والشهوات .
وخضتم : ومضيتم في أحاديث الاستهزاء والسخرية .
69 – { كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا . . . } الآية .
من شأن القرآن أن يلفت النظر إلى ما أصاب الأمم السابقة التي كذبت رسلها وشغلتها العاجلة عن الباقية مثل : قوم هود نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم .
وهنا يذكر المنافقين في المدينة ، والكفار في مكة وأشباههم في كل مكان : أن من سبقهم من المكذبين لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال وإلا الخزي والخسار ؛ مع أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين ؛ وأكثر أموالا وأولادا .
وقد جاء الخطاب في بداية الآية على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ؛ لتحريك نفوسهم إلى الاعتبار والاتعاظ .
أنتم أيها المنافقون ، حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة ؛ في الانحراف عن الحق ، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها ، والاستغناء بها عن النظر في العواقب ، والتأمل في الحق والخير .
لكن هؤلاء الطغاة السابقين ، كانوا يمتازون عنكم ؛ بأنهم كانوا أعظم قوة في أبدانهم ، وممتلكاتهم وتفوقهم ، وكانوا أكثر منكم أموالا وأولادا .
{ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ } .
الخلاق : النصيب وهو ما خلق للإنسان أي قدر من خير .
والمعنى : إن السابقين تمتعوا بنصيبهم الذين قدر لهم من حظوظ الدنيا ، وأفرغوا كل جهد لهم في التمتع بالملذات والشهوات ، ونسوا حق الله عليهم ، ولم يلتزموا بطاعته ، واستخفوا بأنبيائهم وسخروا منهم ؛ فكذلك كنتم بعدهم مثلهم ؛ انتفعتم بنصيبكم الذي قدر لكم من متاع الدنيا وزينتها ، وحرصتم عليه ، وجعلتم الاشتغال به غاية الغايات .
وبعد أن امتلأت أيديكم بالنعم ؛ استعملتموها في غير ما خلقت له ؛ وسخرتموها لإرضاء شهواتكم الخسيسة ، وملذاتكم الفانية .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } . ( الأحقاف : 20 ) .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : أي فائدة في قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم } . وقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } . مغن عنه كما أغنى : { كالذي خاضوا } . عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا ؟
قلت : فائدته : أن يذم الأولين بالاستمتاع ، بما أوتي من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائهم بشهواتها الفانية ؛ عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ، ويهجّن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول : أنت مثل فرعون ؛ كان يقتل بغير جرم ، ويعذب ويعسف ؛ وأنت تفعل مثل فعله ، وأما { وخضتم كالذي خاضوا } . فمعطوف على ما قبله مستند إليه ، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة109 .
وعموما فالتكرار هنا للتأكيد أيضا .
{ وخضتم كالذي خاضوا } . أي : دخلتم في الباطل واللهو .
ودخلتم أيها المنافقون والكافرون في حمأة الباطل ، وانغمستم فيه كانغماس الذين مضوا قبلكم من الأمم .
{ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } .
أي : أولئك الذين انغمسوا في الباطل إلى الأذقان من الفريقين ، وبطلت مساعيهم ، وفسدت أعمالهم في الدنيا ، لأنها أعمال رياء وسمعة ، وفي الآخرة ؛ لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله .
الذين خسروا في مظنة الربح والمنفعة ؛ لأنهم لم يحصلوا على الثواب ، وأتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء والرسل ؛ فما وجدوا إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة .
قال الزمخشري : وهذا نقيض قوله تعالى : { وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } . ( العنكبوت : 27 ) .
{ 69 - 70 } { كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
قوله تعالى : { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } الكاف في قوله : { كالذين } في موضع نصب صفة لمصدر محذوف وتقديره : وعدا كما وعد الذين من قبلكم{[1845]} ؛ أي قل لهؤلاء المنافقين الخائضين المستهزئين بالله وآياته ورسوله إنكم كنتم تستهزئون كما استهزأ الذين من قبلكم من الأمم ؛ إذ فلعوا ما فعلتم من الاستهزاء ، فأخذهم الله بذنوبهم فاحذروا أن يحل بكم من العقاب ما حل بهم ، مع أنهم كانوا أعظم منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا .
قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } الخلاق ، معناه النصيب{[1846]} . يبين الله لهؤلاء المنافقين أن الذين من قبلهم من الأمم السابقة تمتعوا بنصيبهم وحظهم من ملاذ الدنيا . وكذلك أنتم تمتعتم بنصيبكم كما تمتع الذين من قبلكم بنصيبهم . فأنتم في هذا الاستمتاع مشابهون للذين من قبلكم . والمراد من هذا التمثيل : التنديد بهؤلاء المنافقين من أجل مشابهتهم الذين من قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله ؛ أي أن المنافقين سلكوا سبيل الكافرين من الأمم السابقة في الاستمتاع بلذائذ الحياة الدنيا والإدبار عن أوامر الله ونسيان الآخرة .
قوله : { وخضتم كالذي خاضوا } أي خضتم أيها المنافقون في الباطل والكذب على الله كخوض الكافرين من الذين سبقوكم . قال ابن عباس في هذه الآية : ما أشبه الليلة بالبارحة { كالذين من قبلكم } هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم . وعن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشير وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) قالوا : ومن هم يا رسول الله ؟ أهل الكتاب ؟ قال ؟ ( فمن ؟ ) .
قوله : { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } هؤلاء المنافقون قد حبطت أعمالهم التي كانت على صورة الطاعة ؛ فقد ذهبت باطلا ، إذ لا جزاء لهم عليها إلا النار . أما بطلانها في الدنيا : فلأنها تفضي إلى النقيض مما كانوا يرجونه بعد أن أتت عليها أحوال شتى من الموت والفقر والتحول من القوة إلى الضعف ونحو ذلك . وأما بطلانها في الآخرة : فليصرورتها إلى الزوال والفناء ؛ فهي بذلك تمر بغير قيمة أو اعتبار . { وأولئك هم الخاسرون } السادرون في الهلاك والخسران{[1847]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.