تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (64)

59

64- { أمّن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .

من الذي خلق هذا الكون فرفع السماء وبسط الأرض ، وأرسى الجبال وسير الهواء ، وأجرى الرياح وسخر الشمس والقمر والنجوم ، والبحار والأنهار ، وأنبت النبات ، لا أحد غير الله يقدر على خلق هذا الكون ، وقد عجز الناس عن إثبات أن هذا الكون وجد بالصدفة ، أو أن الكون خلق نفسه ، أو أنه يقود نفسه بنفسه ، فكل هذه دعاوى لا تثبت أمام الدليل والبرهان ، أو استخدام العقل والفكر والمنطق السليم ، وكان كفار مكة يقرّون بأن الله خالق الكون ، وينكرون البعث والحشر والجزاء ، أو يترددون ويظنون ظنا غير مستيقن ، فبين الحق أنه هو الذي يعيد خلق الكون ، قال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } [ الروم : 27 ] .

فالله تعالى خلق هذا الكون وأبدع خلقه على غير مثال سابق ، وهو يعيده كما قال تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } [ الأنبياء : 104 ]

{ ومن يرزقكم من السماء والأرض . . }

ورزق السماء يتمثل في المطر والهواء ، والجاذبية والمغناطيسية ، وتسخير الشمس والقمر والقوى المتعددة ، ومن رزق السماء إرسال وإنزال الوحي والهداية للناس ، وأما رزق الأرض فيتمثل في الزرع والنبات ، والبترول والمعادن والفلزات ، وكنوز البحر من طعام وزينة ، ومنها القوى العجيبة من مغناطيسية وكهرباء ، وقوى أخرى لا يعلمها بعد إلا الله ، ويكشف عن شيء منها لعباده آنا بعد آن .

{ أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }

أهناك إله مع الله يصنع هذا ؟ إذا زعمتم ذلك فقدموا الدليل عليه إن كنتم صادقين في هذه الدعوى ؟

وإنهم ليعجزون عن تقديم هذا البرهان ، كما يعجز عنه من يحاوله حتى الآن ، وهذه هي طريقة القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإلهية ، يستخدم مشاهد الكون بكل ما فيه ، وأغوار النفس بكل خلجاتها ، ويستدل بهذا ويستخدمه لتحريك الفطرة الغافلة وإيقاظ الضمير ؛ وبذلك الضمير ؛ وبذلك نرى أن لله كتابين :

-كتاب مقروء ، وهو القرآن الكريم .

-وكتاب مفتوح ، وهو كتاب الكون الذي خلقه الله وحث الإنسان على التأمل فيه ، وعلى ترديد البصر إلى السماء والجبال والأرض والبحار ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والإنسان والحيوان ، والطيور وسائر المخلوقات ، لينتقل من إبداع الصنعة إلى قدرة الصانع سبحانه وتعالى .

قال تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب*الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } [ آل عمران : 190 ، 191 ] .

ويقول عز شأنه : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون } [ المؤمنون : 117 ] .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (64)

أي : من هو الذي يبدأ الخلق وينشئ المخلوقات ويبتدئ خلقها ، ثم يعيد الخلق يوم البعث والنشور ؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض بالمطر والنبات ؟ .

{ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } يفعل ذلك ويقدر عليه ؟ { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } أي : حجتكم ودليلكم على ما قلتم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وإلا فبتقدير أنكم تقولون : إن الأصنام لها مشاركة له في شيء من ذلك فذلك مجرد دعوى صدقوها بالبرهان ، وإلا فاعرفوا أنكم مبطلون لا حجة لكم ، فارجعوا إلى الأدلة اليقينية والبراهين القطعية الدالة على أن الله هو المتفرد بجميع التصرفات وأنه المستحق أن تصرف له جميع أنواع العبادات .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (64)

ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقياً من أعم إلى أخص ، ومن أرض إلى سماء ، ختمها بما يعمها وغيرها ، إرشاداً إلى قياس ما غاب منها على ما شوهد ، فلزم من ذلك قطعاً القدرة على الإعادة ، فساقها لذلك سياق المشاهد المسلم ، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال : { أمن يبدأ الخلق } أي كله : ما علمتم منه وما لم تعلموا ، ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه ، له هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبداً تعلقه . ولما كان من اللازم البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئاً قادر على إعادته ، لأن الإعادة أهون ، قال : { ثم يعيده } أي بعد ما يبيده .

ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة ، قال مشيراً إليهما على وجه عم جميع ما مضى : { ومن يرزقكم من السماء } أي بالمطر والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين { والأرض } أي بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله ، وعر عنهما بالرزق لأن به تمام النعمة { أإله مع الله } أي الذي له صفات الجلال والإكرام ، كائن ، أو يفعل شيئاً من ذلك .

ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة ، ودلائل قاطعة ، وأنواراً لامعة ، وحججاً باهرة ، وبينات ظاهرة ، وسلاطين قاهرة ، على التوحيد المستلزم للقدرة على البعث وغيره من كل ممكن ، أمره صلى الله عليه وسلم إعراضاً عنهم ، إيذاناً بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال : { قل } أي هؤلاء المدعين للعقول { هاتوا برهانكم } أي على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى ، أو على إثبات شيء منه لغيره ، لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى الشركة في الألوهية ، وليكن إتيانكم بذلك ناجزاً من غير مهلة ، لأن من يدعي العقل لا يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر { إن كنتم صادقين* } أي في أنكم على حق في أن مع الله غيره . وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد ، لا كلام في وجوده وتحققه ، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكماً بهم وتنبيهاً على أنهم أبعدوا في الضلال ، وأعرقوا في المحال ، حيث رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع بصحته ، ولا شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء منه .