{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) } .
91 - مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ .
لقد نفى القرآن الولد عن الله تعالى في كثير من الآيات ، مثل سورة مريم : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . ( مريم : 88 – 93 ) .
وفي هذه الآية 91 من سورة ( المؤمنون ) ينفي سبحانه أن يكون له ولد كما زعم المشركون ، كما ينفي أن يكون مع الله إله آخر ، ثم يحتكم إلى العقل والمنطق في إبطال ذلك فلو أن اثنين اشتركا في خلق الكون ، لانفرد كل واحد منهما بإدارة الجزء الذي خلقه ، ووضع له نظاما وناموسا يختلف عن نظام الجزء الآخر وإذا تعددت الآلهة لاتجه كل واحد منهم إلى قهر الآخر والتسلط عليه ، لتظهر قوة القوي على الضعيف ، كما هو شأن ملوك الدنيا ، ولو حدث هذا التغالب والانقسام ، لاختل نظام الكون ولفسدت السماوات والأرض ومن فيهن . إلا أن المشاهد أن الوجود منتظم متسق ، وفي غاية النظام والكمال ، وارتباط كل من العالم السفلي بالعالم العلوي دون تصادم ولا اضطراب كما قال تعالى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت . ( الملك : 3 ) .
ولما ثبت كون التعدد في الآلهة مستحيلا ؛ بطل قول الكافرين في عبادة الأصنام والأوثان ، وبطلت حجتهم في قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . . . ( الزمر : 3 ) .
فلو كانت هناك آلهة مع الله لتقربت إليه تعالى بعبادته وحده ، فأولى بالإنسان أن يعبد ربه وحده ، قال تعالى : قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً . ( الإسراء : 42 ) .
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ .
تنزه الله الحق الواحد الأحد عما يقول الظالمون في دعواهم الولد أو الشريك .
{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } كذب يعرف بخبر الله ، وخبر رسله ، ويعرف بالعقل الصحيح ، ولهذا نبه تعالى على الدليل العقلي ، على امتناع إلهين فقال : { إِذًا } أي : لو كان معه آلهة كما يقولون { لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ } أي : لانفرد كل واحد من الإلهين بمخلوقاته ، واستقل بها ، ولحرص على ممانعة الآخر ومغالبته ، { وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } فالغالب يكون هو الإله ، وإلا فمع التمانع لا يمكن وجود العالم ، ولا يتصور أن ينتظم هذا الانتظام المدهش للعقول ، واعتبر ذلك بالشمس والقمر ، والكواكب الثابتة ، والسيارة ، فإنها منذ خلقت ، وهي تجري على نظام واحد ، وترتيب واحد ، كلها مسخرة بالقدرة ، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم ، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد ، ولن ترى فيها خللا ولا تناقضا ، ولا معارضة في أدنى تصرف ، فهل يتصور أن يكون ذلك ، تقدير إلهين ربين ؟ "
{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } قد نطقت بلسان حالها ، وأفهمت ببديع أشكالها ، أن المدبر لها إله واحد كامل الأسماء والصفات ، قد افتقرت إليه جميع المخلوقات ، في ربوبيته لها ، وفي إلهيته لها ، فكما لا وجود لها ولا دوام إلا بربوبيته ، كذلك ، لا صلاح لها ولا قوام إلا بعبادته وإفراده بالطاعة ،
{ إذا لذهب كل إله بما خلق } هذا برهان على الوحدانية ، وبيانه أن يقال : لو كان مع الله إلها آخر لانفرد كل واحد منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر ، واستبد كل واحد منهما بملكه وطلب غلبة الآخر والعلو عليه كما ترى حال ملوك الدنيا ولكن لما رأينا جميع المخلوقات مرتبطة بعضها ببعض حتى كأن العالم كله كرة واحدة ، علمنا أن مالكه ومدبره واحد ، لا إله غيره وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما فهم ابن عطية وغيره ، بل هو دليل آخر .
فإن قيل : إذ لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب ، فكيف دخلت هنا ولم يتقدم قبلها شرط ولا سؤال سائل ؟ فالجواب : أن الشرط محذوف تقديره لو كان معه آلهة وإنما حذف لدلالة قوله : { وما كان معه من إله } ، وهو جواب للكفار الذين وقع الرد عليهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.