بالحكمة : المقالة المحكمة المصحوبة بالدليل الموضح للحق ، المزيل للشبهة ، أو حسن التأني للأمور ، واختيار اللفظ المناسب ، والبيان المناسب .
الموعظة الحسنة : الأدلة الظنية المقنعة للعامة ، وكل ما يناسب الناس ، ويحببهم في الدين والهدى والطاعة .
جادلهم : الجدال : الحوار والمناظرة ؛ لإقناع المعاند ، وينبغي أن يكون بالأسلوب الأمثل الهادئ الرزين .
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . . . } .
تأتي هذه الآية وما بعدها في أعقاب سورة النحل المكية ، تتحدث عن أسلوب الدعوة إلى الله تعالى وتتحدث عن أسلوب في الحياة ، يهتم بالصبر والاحتمال والإيمان بالله ، والثقة بما عنده .
إن الدعاة مطالبون بدراسة علمية عالية ، لفنون القول والخطاب ، والإحاطة بالمعلومات وطرق الجدال ، وبيان الحجة ، أحيانا نكتفي بالبيان المناسب ، والمعلومات المفيدة ، وأحيانا نحرك القلوب بالموعظة الحسنة ، والتذكير بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأحيانا نناقش الناس بالحجة ، ونجادلهم بالمعروف وبالكلمة الطيبة ؛ لنبين الخطأ والصواب ، وهذا معنى قوله تعالى :
{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } .
{ الحكمة } . تشمل القول المحكم الصحيح ، الموضح للحق ، المزيل للباطل ، الواقع من النفس أجمل موقع .
{ والموعظة الحسنة } . بيان العبر والمواعظ التي جعلها الله في القرآن الكريم ، مثل : وصف السماء ، والأرض ، والجبال ، والبحار ، والأنهار ، والفضاء ، والهواء ، والليل ، والنهار ، والحياة ، والموت ، وغير ذلك مما يبين فضل الله على عباده ودعوتهم إلى طاعته وإتباع أمره واجتناب نهيه .
أي : ناقش المخالفين بالهدوء والبيان ، بلا تحامل على المخالف ، ولا ترذيل له ، حتى يطمئن إلى الدعوة ، وينظر إلى الموضوع نظرة واقعية عميقة ، فالجدل بالتي هي أحسن ، هو الذي يفتح نفس المخاطب ، ويطمئنه إلى الهدى والرشاد .
{ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } .
إن الدعاة هداة لا قضاة ، وكذلك الأنبياء والرسل ، عليهم تبليغ الدعوة والنصح والنقاش الهادئ ، أما الهداية والدخول في الإسلام الحق ، فتلك مهمة الله الخالق البارئ الهادي .
قال تعالى : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء . . . }( البقرة : 272 ) .
وقال سبحانه : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ( القصص : 56 ) .
وقال سبحانه : { فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر } ( الغاشية : 22 ، 21 ) .
والمعنى : اسلك أيها الرسول سبل الدعوة وأساليبها المفيدة النافعة ، أما الهداية العملية ، وانتقال الناس من الضلالة إلى الهدى ، فذلك أمر بيد الله تعالى ؛ فهو أعلم بالضالين المعاندين ، وهو أعلم بالمهتدين الطائعين ، وسيجازي كل فريق بما يستحق .
{ 125 } { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }
أي : ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح ، { بِالْحِكْمَةِ } ، أي : كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده .
ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم ، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم ، وبما يكون قبوله أتم ، وبالرفق واللين ، فإن انقاد بالحكمة ، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة ، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب .
إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها ، والنواهي من المضار وتعدادها ، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به .
وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل ، فإن كان [ المدعو ] يرى أن ما هو عليه حق . أو كان داعيه إلى الباطل ، فيجادل بالتي هي أحسن ، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا .
ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها ، فإنه أقرب إلى حصول المقصود ، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها ، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها .
وقوله : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } ، علم السبب الذي أداه إلى الضلال ، وعلم أعماله المترتبة على ضلالته وسيجازيه عليها .
{ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ، علم أنهم يصلحون للهداية فهداهم ثم منَّ عليهم فاجتباهم .
{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) }
ادعُ -يا محمد- أنت ومَنِ اتبعك إلى دين ربك وطريقه المستقيم ، بالطريقة الحكيمة التي أوحاها الله إليك في الكتاب والسنة ، وخاطِب الناس بالأسلوب المناسب لهم ، وانصح لهم نصحًا حسنًا ، يرغبهم في الخير ، وينفرهم من الشر ، وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين . فما عليك إلا البلاغ ، وقد بلَّغْتَ ، أما هدايتهم فعلى الله وحده ، فهو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين .
قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } ، هذا الخطاب من الله لرسوله ( ص ) وهو يدعو العرب المشركين إلى دين الله ؛ إذ يأمره ربه أن يدعو الناس إلى الإسلام ( بالحكمة ) ، أي : بالقول السديد المحكم وفي تلطف ولين ، بعيدا عن المخاشنة والتعنيف وأن يدعوهم كذلك بالموعظة الحسنة وهي الكلام المؤثر النافذ إلى القلوب . الكلام الذي يختلط فيه الترغيب بالترهيب ، والإنذار بالبشرى ؛ ليكون ذلك سبيلا إلى ترقيق القلوب وشحنها بالود والرغبة في دين الله .
قوله : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، أي : خاصمهم مخاصمة رحيمة ودود ، وذلك بالأسلوب الذي هو أحسن من غيره من الأساليب ، وذلك بالرفق واللين دون أسلوب الفظاعة التي تنفر منها الطبائع ؛ بل بما يوقظ القلوب إيقاظا ، ويجلو العقول مما تلبس بها من الشبهات والظنون وفاسد الأخبار والمعلومات .
لا جرم أن الطبائع البشرية إنما ترق وتجنح في الغالب للرقيق من القول واللطيف من الكلمات والعبارات . وهي أشد ما تنفر وتألم من قسوة الأساليب التي تثير في النفوس المضاضة ، وتهيج في القلوب الحزن والامتعاض ؛ فالذين يدعون إلى دين الله يناط بهم أن يدعوا الناس إلى هذا الدين بما يرغبهم فيه ترغيبا . وذلك بالكلمات الرفيقة الحانية ، والطريقة الرحيمة النافذة .
على أن هذه الآية العظيمة محكمة . وهي في حق الذين يدعون إلى رسالة الإسلام بيان لهم على مرّ الزمان ، يمضون في ضوئه وهم يدعون الناس على بصيرة . يدعونهم بالأسلوب الرحيم . الأسلوب السديد ، النافذ إلى قلوبهم عسى أن يرققها ترقيقا ، أو يفضي إلى تعرفهم على الإسلام فيرغبهم فيه . وإذا لم تؤثر هذه الوسيلة الرفيقة من حسن الموعظة والجدال ولم تجد سبيلها إلى القلوب والعقول ، وأيقن المسلمون أن مخالفيهم معاندون جاحدون وأنهم متربصون ماكرون ، نظروا بعد ذلك فيما هو أجدى وأنفع من الوسائل والأساليب صونا لعقيدتهم من التشويه والضياع ، ولأوطانهم وكراماتهم من الإبادة .
قوله : ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) ، أي : ليس عليك إلا التبليغ ، فتدعو الناس إلى توحيد وعبادة الله وطاعته وحده ، وذلك بالموعظة الحسنة والكلام الرفيق السديد . والناس مختلفون في استعدادتهم وفطرهم . ولكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة ، فمن بنيت فطرته على الجنوح للدين والتشبث بحبل الله ؛ فقد اهتدى . ومن كانت فطرته متلبسة بالجحود والقسوة والنفور من الحق ؛ فإنه لا محالة صائر إلى الضلال ، ولن تجدي معه بعد ذلك المواعظ والدروس والنذر . والله جل وعلا هو أعلم بنفوس البشر جميعا ، فيعلم المهتدي منهم والضال .