تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 72 ) وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ( 73 ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 74 ) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 ) } .

المفردات :

آووا : أي : آووا المهاجرين في المدينة وأسكنوهم .

ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا : أي : ما لكم من توليهم في الميراث وإن كانوا من أقرب أقاربكم حتى يهاجروا .

التفسير :

72 – { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .

المناسبة :

ما مضى كان في الكلام على الكفار وأسرهم وكيفية معاملتنا لهم ، ضاربين بقرابتهم عرض الحائط مستبدلين بها قرابة الإسلام ، ولذا تكلم القرآن هنا على رابطة الإسلام .

والمعنى :

إن الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا كاملا وهاجروا في سبيله ، تاركين أوطانهم الحبيبة إلى نفوسهم ، وأموالهم ، كل ذلك لله ، وجاهدوا في سبيله ، وبذلوا النفس والنفيس ؛ أولئك هم المهاجرون الذين تركوا مكة وعزهم وشرفهم ونسبهم فيها إلى يثرب التي قطنها الرسول الكريم .

إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا . المهاجرين وأنزلوهم ديارهم وشاركوهم في أموالهم ، { ونصروا } . رسول الله ومنعوه مما يمنعون منه أزواجهم وأولادهم { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } . هؤلاء المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض يتلون أنفسهم بالرعاية والعناية والسهر على المصالح ؛ فهم جسد الأمة الإسلامية ، إذ اشتكى عضو منه ؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، فرابطة الإسلام بينهم أقوى رابطة ، والإيمان هو الصلة المحكمة ، وهكذا المسلمون في كل زمان ومكان اجتمعوا على الإيمان بالله والتقوى ، على محبة الرسول الأكرم ولذا يقول الله فيهم : { إنما المؤمنون إخوة } . فالإخوة في الإسلام إذا ما كانت لله حقا كانت هي الدعامة الوحيدة لتماسك بناء الأمة ، وقيل : المراد بالولاية هنا : الميراث ونسخت الآية بآية المواريث ، والذين آمنوا بالله ورسوله ولم يهاجروا بأن اعترضتهم عقبات لم يستطيعوا التغلب عليها ، هؤلاء ليس لكم ولاية عليهم وليس بينكم توارث وإن كانوا ذوي قربى يهاجروا . هكذا كانت الهجرة في مبدإ الإسلام .

ولكن إن استنصروكم في الدين ، وطلبوا إليكم أن تمدوا إليهم يد المساعدة لهم على أعدائهم ، بقدر الطاقة ؛ فانصروهم ، إلا على قوم بينكم وبينهم معاهدة وميثاق ، والله بما تعملون بصير .

من أحكام الآية

1 – فضل المهاجرين الأولين ، وتضحيتهم بالنفس والمال من أجل الإسلام .

2 – فضل الأنصار ، الذين استقبلوا المهاجرين وقاموا بحق الضيافة والنصرة .

3 – ظاهر الآية : تقديم المهاجرين على الأنصار وتفضيلهم عليهم .

قال ابن كثير : وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك .

4 – تقديس الوفاء بالعهود والمواثيق في شرعة الإسلام ؛ وإن مس ذلك مصلحة بعض المسلمين .

قال القاسمي في تفسير الآية :

يظهر أن هذه الآية كسوابقها مما نزل إثر واقعة بدر ، وطلب من كل من آمن من أن يهاجر ؛ ليكثر سواد المسلمين ، ويظهر اجتماعهم ، وإعانة بعضهم لبعض ، فتتقوى بألفتهم شوكتهم ، ولم يزل طلب الهجرة إلا بفتح مكة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح " lxiii رواه البخاري .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

{ 72 ْ } { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ْ }

هذا عقد موالاة ومحبة ، عقدها اللّه بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل اللّه ، وتركوا أوطانهم للّه لأجل الجهاد في سبيل اللّه ، وبين الأنصار الذين آووا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم ، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض ، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض .

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ْ } فإنهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدة الحاجة إلى الرجال ، فلما لم يهاجروا لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيء . لكنهم { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ ْ } أي : لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم { فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ْ } والقتال معهم ، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم .

وقوله تعالى : { إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ْ } أي : عهد بترك القتال ، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم ، فلا تعينوهم عليهم ، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق .

{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ْ } يعلم ما أنتم عليه من الأحوال ، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

ثم ختم الله - تعالى - سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم بببعض ، وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار عن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين آمَنُواْ . . . بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .

هذه الآيات الكريمة التي ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال ، وضحت أن المؤمنين في العهد النبوى أقسام ، وذكرت حكم كل قسم منهم .

أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى .

وأما القسم الثانى : فهم الأنصار من أهل المدينة .

والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا .

والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية .

وقد عبر - سبحانه - عن القسمين : الأول والثانى بقوله : { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا } .

أى : { إِنَّ الذين آمَنُواْ } بالله - تعالى - حق الإِيمان { وَهَاجَرُواْ } أي تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا . من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن أجل نشر دبن الله في الأرض { وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله } أى : أنهم مع إيمانهم الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء الله - تعالى - ، قد بالغوا في إتعاب أنفسهم من أجل نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا في سبيل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما في سبيل مرضاة الله ونصرة دينه .

فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من ال مؤمنين وهم الذين سبقوا إلى الهجرة . بأعظم الصفات وأكرمها .

فقد وصفهم بالإِيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرار بدينهم من الفتن ، وبالمجاهد بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله .

وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو الإِيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد .

ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال .

وقوله { فِي سَبِيلِ الله } متعلق بقوله { وَجَاهَدُواْ } لإِبراز أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه - .

وقوله : { والذين آوَواْ ونصروا } بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين في العهد النبوى ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أانفسهم ، ونصروهم على أعدائهم .

فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين .

أولهما : الإِيواء الذي يتضمن التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو المجلأ والمأمن مما يخشى منه ، ومن ذلك قوله - تعالى - { إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف . . . } وقوله - تعالى - { وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ . . . } ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان اهلها مثالا للكرم والإِيثار . .

ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل الله - تعالى - حكمهم المهاجرين واحدا فقال : { أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } .

فاسم الإِشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الانصار .

وقوله : { أَوْلِيَآءُ } جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب . .

والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التي تتناول التناصر والتعاون والتوارث . .

أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا في النصرة والمعاونة والتوارث . . . وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة .

قال الالوسى ما ملخصه : " روى عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى ، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس ، واستمر أمهرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة . . وعليه فالآية منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك { وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله . . . } " .

وقال الأصم : الآية محكمة ، والمرد الولاية بالنصرة والمظاهرة .

والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك . .

وقوله - تعالى - : { والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ . . . } بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين في العهد النبوى . .

أى : هذا الذي ذكرته لكم قبل ذلك في الآية هو حكم المهاجرين السابقين والأنصار الذي آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم . فإنهم ليس بينهم وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث { حتى يُهَاجِرُواْ } إلى المدينة ، كما أنكم - أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة ، لأنهم بسبب إقامتهم في أرض الشرك وتحت سلطانه - أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم .

ثم قال - تعالى - : { وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } .

أى : وان طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم في الدين ، فيجب عليكم أن تنصروهم ، لأنهم إخوانكم في العقدية ، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة ، فإنكم في هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا ، لأن في نصرتهم - على من بينكم وبينهم عند - نقضا لهذا العهد .

أى : إن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحربين لا على الكفار المعاهدين وهذا يدل على رعاية الإِسلام للعهود ، واحترامه للشروط والعقود .

قال الجمل : أثبت الله - تعالى - للقسمين الأولين النصرة والإِرث ، ونفى عن هذا القسم الإِرث وأثبت لها النصرة .

وقوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تذييل قصد به الترغيب في طاعة الله ، والتحذير عن مصعيته .

أى : والله - تعالى - مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه ، ولا تخالفوا أمره .