إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ} (16)

وقولُه تعالى : { إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى } ظرفُ زمانٍ لرآهُ لا لِما بعَدُه من الجملةِ المنفيةِ كما قيلَ : فإنَّ مَا النافيةَ لا يعملُ ما بعدَها فيما قبلَها ، والغشيانُ بمعنى التعظيةِ والسترِ ومنه الغَوَاشِي أو بمَعْنى الإتيانِ يقالُ فلانٌ يغشَانِي كلَّ حينٍ ، أيْ يأتينِي ، والأولُ هو الأليقُ بالمقامِ وفي إبهامِ ما يغشَى من التفخيمِ ما لا يخفى ، وتأخيرُه عن المفعولِ للتشويقِ إليهِ أي ولقد رآهُ عندَ السدرةِ وقتَ غشِيَها ما غشِيَها مما لا يكتنههُ الوصفُ ولا يَفي به البيانُ كيفاً ولا كمَّاً . وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضاراً لصورتِها البديعةِ وللإيذانِ باستمرار الغشيانِ بطريقِ التجددِ وقيلَ : يغشاهَا الجمُّ الغفيرُ من الملائكةِ يعبدونَ الله تعالَى عندَها ، وقيلَ : يزورُونها متبرّكينَ بها كما يزورُ الناسُ الكعبةَ وقيلَ : يغشاهَا سبحاتُ أنوارِ الله عزَّ وجلَّ حين يتجلَّى لها كما تجلَّى للجبلِ لكنها كانتْ أقوى من الجبلِ وأثبتَ حيثُ لم يُصبْها ما أصابَهُ من الدكِّ وقيلَ : يغشاهَا فَراشٌ أو جرادٌ من ذهبٍ ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وابن مسعودٍ والضحَّاكِ . ورُويَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ : " رأيتُ السدرةَ يغشاها فَراشٌ من ذهبٍ ورأيتُ على كلِّ ورقةٍ مَلَكاً قائماً يسبحُ الله تعالَى " {[753]} ، وعنْهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ " يغشاهَا رفرف من طيرٍ خُضرٍ{[754]} .


[753]:أخرجه الترمذي في كتاب الجنة باب (9) بلفظ فيها فراش الذهب.
[754]:أخرجه البخاري في كتاب التفسير سورة (53). بلفظ "رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق".