الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ} (34)

{ وَقَالُواْ } أي يقولون إذا دخلوا الجنة { الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } أخبرني الحسين بن محمد العدل قال : حدّثنا محمد بن المظفر قال : حدّثنا علي بن إسماعيل بن حماد البغدادي قال : حدّثنا عمرو بن علي الفلاس قال : حدّثنا معاذ بن هشام ، قال حدّثني أبي عن عمرو بن مالك عن ابن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قول الله عز وجل : { الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } قال : حزن النار .

وأخبرني الحسين بن محمد عن محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال : حدثنا أبو شعيب الحراني قال : حدّثنا عبد العزيز بن أبي داوُد الحراني قال : حدّثنا جرير عن أشعث بن قيس عن شمر بن عطية في قول الله عز وجل : { الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } قال حزن الخبز .

عكرمة : حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات ، وقيل : حزن الموت ، وقيل : حزن الجنة والنار لا يُدرى إلى أيهما يصير . الثمالي : حزن الدنيا . الضحاك : حزن إبليس ووسوسته . ذو النون : حزن القطيعة .

الكلبي : يعني الحزن الذي يحزننا في الدنيا من يوم القيامة ، وقيل : حزن العذاب والحساب ، وقيل : حزن أهوال الدنيا وأوجالها ، وقال القاسم : حزن زوال النعم وتقليب القلب وخوف العاقبة .

وسمعت السلمي يقول : سمعت النصرآبادي يقول : ما كان حزنهم إلاّ تدبير أحوالهم وسياسة أنفسهم ، فلما نجوا منها حمدوا { وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } ، أخبرني أبو عبد الله الدينوري قال : أخبرني أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عبد الرَّحْمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس على أهل ( لا إله إلاّ الله ) وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في منشرهم ، وكأني بأهل ( لا إله إلاّ الله ) يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون : { وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } " .

{ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ } أي الإمامة { مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أي كلال وإعياء وفتور ، وقراءة العامة بضم اللام ، وقرأ السلمي بنصب اللام وهو مصدر أيضاً كالولوع ، وقال الفراء : كأنه جعله ما يلغب مثل لغوب .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي قال : أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن مهدي قال : أبو عبد الله محمد بن زكريا بن محمدويه الرجل الصالح عن عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي قال : حدّثنا عاصم بن عبد الله قال : حدّثني إسماعيل عن ليث بن أبي سليم عن الضحاك بن مزاحم في قول الله سبحانه : { الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } قال : إذا دخل أهل الجنة استقبلهم الولدان والخدم كأنهم اللؤلؤ المكنون . قال : فيبعث الله ملكاً من الملائكة معه هدية من رب العالمين وكسوة من كسوة الجنة فيلبسه . قال : فيُريد أن يدخل الجنة فيقول الملك : كما أنت فيقف ومعه عشرة خواتيم من خواتيم الجنة هدية من رب العالمين فيضعها في أصابعه . مكتوب في أول خاتم منها :

{ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [ الزمر : 73 ] ، وفي الثاني مكتوب :{ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ } [ ق : 34 ] ، وفي الثالث مكتوب : " رفعت عنكم الأحزان والهموم " ، وفي الرابع مكتوب : " زوجناكم الحور العين " ، وفي الخامس مكتوب : " ادخلوها بسلام آمنين " ، وفي السادس مكتوب :{ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ } [ المؤمنون : 111 ] ، وفي السابع مكتوب : " إنهم هم الفائزون " ، وفي الثامن : " صرتم آمنين لا تخافون " ، وفي التاسع مكتوب : " رافقتم النبيين والصديقين والشهداء " ، وفي العاشر مكتوب : " سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران " . ثم تقول الملائكة : " ادخلوها بسلام آمنين " .

فلما دخلوا بيوتاً ترفع وَ { قَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ . . } إلى قوله : { لُغُوبٌ } .