التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزاله بلسان عربى مبين فقال : { إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .

أى : إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بلسان عربى مبين ، لعلكم أيها المكلفون بالإِيمان به ، تعقلون معانيه ، وتفهمون ألفاظه ، وتنتفعون بهداياته ، وتدركون أنه ليس من كلام البشر ، وإنما هو كلام خالق القوى والقدر وهو الله - عز وجل - .

فالضمير في " أنزلناه " يعود إلى الكتاب ، وقرآنا حال من هذا الضمير أو بدلا منه .

والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه ، للرد على أولئك المشركين الذين أنكروا أن يكون هذا القرآن من عند الله .

وجملة { لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب وحذف مفعول " تعقلون " للإِشارة إلى أن نزلوه بهذه الطريقة ، يترتب عليه حصول تعقل أشياء كثيرة لا يحصيها العد .

قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : { إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات ، وأبينها وأوسعها ، وأكثرها تأدية للمعانى التي تقوم بالنفوس ، فلهذا أنزل أشرف الكتب ، بأشرف اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة ، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض ، وفى أشرف شهور السنة ، فكمل له الشرف من كل الوجوه .

وقال الجمل : " واختلف العلماء هل يمكن أن يقال : في القرآن شئ غير عربى " .

قال أبو عبيدة : من قال بأن في القرآن شئ غير عربى فقد أعظم على الله القول . واحتج بهذه الآية .

وروى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربى مثل : سجيل ، والمشكاة ، واليم ، وإستبرق ونحو ذلك .

وهذا هو الصحيح المختار ، لأن هؤلاء أعلم من أبى عبيدة بلسان العرب . وكلا القولين صواب - إن شاء الله - .

ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ، ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة ، وإن كانت غير عربية في الأصل ، لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم ، وصارت لهم لغة ، فظهر بهذا البيان صحة القولين ، وأمكن الجمع بينهما .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

قوله : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا } { قرآنا } ، منصوب على أنه بدل من مضير { أنزلناه } أو منصوب على الحال . وقيل : مفعول به . وعربيا نعت للقرآن . وهو منسوب إلى العرب ، والعرب جمع عربي{[2194]} . والمعنى : أن الله جل وعلا كان من تقديره في الأزل أن ينزل القرآن على البشرية بلغة العرب ، هذا البيان الندي المحبب ، لبساطة تركيبه وجمال أسلوبه وسطوع كلماته ذات الإيقاع البليغ الشجي ، والإيقاع المستعذب الغامر الذي ينفذ إلى صميم الفطرة وعميق الوجدان . لا جرم أن العرب خير أجناس البيان ولا فخر . وذلك بعجيب سكبها ومتانة رصفها وبهاء نظمها المميز ؛ النظم الذي يخاطب الكيان البشري كله فيهزه من الأعماق هزا . وذلك بما حواه هذا الكيان من جنان ووجدان وذهن وعاطفة وحس . كل أولئك لا جرم أن يستفيق وينتهض بالنظم القرآني النافذ الغلاب ؛ فليس في سائر الكلام كله ما يخاطب في الإنسان إلا جزءا أو اثنين من تركيبه المتلاحم المعقد فما يكون تأثيره فيه محدودا يسيرا . لكن القرآن يقرع الجهاز النفسي والروحي والعقلي للإنسان مجتمعا ، وهذه ظاهرة جلية عجيبة تشهد على كون القرآن معجزا لا يعارضه في العالمين أحد ، وهو إنما يتجلى فيه هذه الحقيقة ؛ لكونه من جنس هذه اللغة الكريمة المباركة ، اللغة البالغة في جمالها وحسنها ، وروعة جرسها وإيقاعها ، وحلاوة أنغامها الندية الشجية ، وذلك كله يقتضي أن يحض الرسول صلى الله عليه وسلم على حب العربية والعرب ؛ فقد أخرج الطبراني والحاكم والبيهقي وآخرون عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحبوا العرب لثلاث : أني عربي ، والقرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي ) .

قوله : { لعلكم تعقلون } لعل بمعنى التعليل ؛ أي لكي تفهموا ما تضمنه هذا القرآن من المعاني والبلاغة والإعجاز ، ولكي تحيطوا بما حواه من علوم وحقائق وبدائع فتوقنوا بعد ذلك أن هذا الكلام ليس في مقدور احد بل هو مما لا يطيقه بشر{[2195]} .


[2194]:الدر المصون جـ 6 ص 429.
[2195]:روح المعاني جـ 12 ص 75 والحبر المحيط حـ 5 ص 278، 279.