ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولات المشركين فقال - تعالى - : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . . . } .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول - تعالى - مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء : إن محمد صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر ، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بياعا يبيع عند الصفا ، وربما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء ، وذاك كان أعجمي اللسان ، لا يعرف إلا اليسير من العربية .
وعن عكرمة وقتادة : كان اسم ذلك الرجل : " يعيش " ، وعن ابن عباس : كان اسمه : " بلعام " ، وكان أعجمي اللسان ، وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا : إنما يعلمه بلعام ، فأنزل الله هذه الآية .
والمعنى : ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - علما مستمرا لايعزب عنه شيء مما يقوله المشركون في شأنك ، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر .
قال الألوسي : وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه - عليه الصلاة والسلام - مع أنه أدخل في ظهور كذبهم ، للإِيذان بأن مدار خطئهم ، ليس بنسبته صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين ، بل من البشر كائنا من كان ، مع كونه صلى الله عليه وسلم معدنا لعلوم الأولين والآخرين .
وقوله - تعالى - : { لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ } ، رد عليهم فيما زعموه وافتروه .
والمراد باللسان هنا : الكلام الذي يتكلم به الشخص ، واللغة التي ينطق بها .
وقوله : { يلحدون } ، من الإِلحاد ، بمعنى : الميل . يقال : لحد وألحد ، إذا مال عن القصد ، وسمي الملحد بذلك ؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها .
والأعجمي : نسبة إلى الأعجم : وهو الذي لا يفصح في كلامه ، سواء أكان من العرب أم من العجم . وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد .
والمعنى : لقد كذبتم - أيها المشركون - كذبا شنيعا صريحا ، حيث زعمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه القرآن بشر ، مع أن لغة هذا الإِنسان الذي زعمتم أنه يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لغة أعجمية ، ولغة هذا القرآن لغة عربية في أعلى درجات البلاغة والفصاحة ، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته ، وتحداكم وأنتم أهل اللسن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله .
فخبروني بربكم ، من أين للأعجمي أن يذوق بلاغة هذا التنزيل وما حواه من العلوم ، فضلا عن أن ينطق به ، فضلا عن أن يكون معلما له ! ! .
قوله تعالى : { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ( 103 ) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ( 104 ) إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ( 105 ) } ، زعم المشركون – سفها وغلوا في الجاهلية- أنه يعلم محمدا ( ص ) هذا القرآن أحد الناس ؛ فقد قيل : كان اسمه بلعام ، وهو عبد نصراني ، كان بمكة وكان أعجمي اللسان . وقيل : كان اسمه عائش ، أو يعيش ، وكان غلاما لحويطب ، قد أسلم وحسن إسلامه . وقيل : اسمه جبر ، وهو غلام رومي لعامل بن الحضرمي ، زعم المشركون أنه يعلم النبي القرآن ، ومثل هذا الزعم باطل وظالم وهراء . وهو تقول فاسد وسقيم لا يهرف به إلا جحود مفلس ، أو ضال موغل في الجهالة والسفه . فكيف يتلقى النبي ( ص ) هذا القرآن العربي المميز الفذ بكلامه وآياته وعباراته التي خلبت العقول والألباب ، وبهرت الأذهان والنفوس ، واستحوذت على نوابغ البيان واللسان أيما استحواذ ، - كيف يتلقى النبي هذا الكلام العجيب من أعجمي جهول لا ينطق العربية إلا بتكلف ؟ !
وذلك هو قوله تعالى : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ، اللسان ، معناه : اللغة ، وهو مبتدأ ، وخبره ( أعجمي ) . والأعجمي : من لم يتكلم بالعربية ، وهو المنسوب إلى العجم . والأعجم : من في لسانه عجمة ، عربيا كان أو غير عربي ، أو هو من لا يفصح كالأعجمي والأخرس . والعجمي ، من جنسه العجم وإن أفصح ، وجمعه عجم . وقيل للبهيمة : عجماء : من حيث إنها لا تبين{[2614]} . و ( الذي يلحدون ) ، أي : يميلون إليه . لحد ، وألحد ، بمعنى : مال وعدل ، ومارى وجادل وظلم{[2615]} .
والمعنى : أن لغة الذي يميلون إليه بأنه يعلم محمدا القرآن ، لسانه أعجمي غير بين ، وهذا القرآن لسان عربي في غاية البيان والفصاحة . وبذلك فإن زعمهم هذا لا يستقيم ولا يساوي في ميزان الحقيقة والمنطق شيئا ، ولا يدل على غير اليأس والإفلاس ، وبالغ الجحود والسفه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.