التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ} (103)

3 يلحدون إليه : هنا بمعنى : ينسبون إليه تعليم النبي .

تعليق على آية

{ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين }

والآية تدل دلالة قاطعة على أنه كان يقيم في مكة أناس غير عرب ، والمتبادر من نسبة الكفار إليهم تعليم النبي أنهم كانوا على شيء من العلم ، بحيث كانوا مظنة تعليم النبي . ووجود فريق من أهل الكتاب والعلم في مكة ، مما أيدته آيات عديدة أخرى ، وحكى بعضها إيمانهم وخشوعهم على ما مر في تفسير سورتي الإسراء والقصص . ولقد ذكر المفسرون استنادا إلى روايات رووها أسماء عديدة للشخص المذكور في الآية ، ومن الأسماء عائش ، أو يعيش : غلام حويطب بن عبد العزى ، وكان صاحب كتب وعلم ، وجبرا الرومي : غلام عامر بن الحضرمي ، وكان يصنع السيوف ، ويقرأ التوراة والإنجيل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر وقف عليه ليسمع ما يقرأ{[1]} ، وبلعام : وكان قينا – حدادا- نصرانيا في مكة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليه على مرأى من المشركين {[2]} . وممن روى المفسرون أسماءهم في هذا الصدد : سلمان الفارسي أيضا . فكان هذا مما جعل المشركين على ما هو المتبادر يقولون ما قالوه هنا ، وما حكته عنهم آية سورة الفرقان [ 4 ]التي مر تفسيرها .

وطبعي أن هذا لا يعني أن ما قاله المشركون مطابق للواقع ، فالآيات تحكي قولهم كما هو ، وترد عليه ردا صريحا قاطعا ، يعلن على مسمع جميع الناس ومسمع من كان قولهم يعنيهم من أهل العلم والكتاب في مكة ، بالإضافة إلى ما حكته آيات أخرى أوردناها قبل من إيمانهم بالرسالة المحمدية وشهادتهم بصدق صلة القرآن بالله ووحيه ؛ لأنهم رأوا أعلام النبوة في النبي صلى الله عليه وسلم ، واستطاعوا أن يتجردوا من الهوى والتعصب والمآرب . ورأى المشركون ذلك وسمعوه . وهذا كاف لتزييف هذا القول الذي استغله المبشرون والمغرضون من المستشرقين استغلالا بشعا على غير طائل ، ويدل على أنهم لم يدركوا مدى الوحي القرآني والرسالة المحمدية ، أو يكابرون ويغالطون فيهما على ما شرحناه في سياق سورة الفرقان شرحا يغني عن التكرار .


[1]:التاج جـ 5 ص 382.
[2]:كتب السيد رشيد رضا في تفسيره في صدد هذه النقطة وفي سياق آية مماثلة للآية هنا وهي الآية [128] من سورة الأنعام أكثر من خمس وعشرين صفحة استعرض فيها أقوال من يقول بالتأييد ومن يقول بخلافه وأورد حججهم النقلية والعقلية وانتهى إلى إناطة الأمر إلى حكمة الله ورحمته وعدله.