التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (106)

ذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - : { مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ . . . } ، روايات منها قول الآلوسي : " روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه : ياسرا ، وسمية ، على الارتداد فأبوا ، فربطوا سمية بين بعيرين . . . ثم قتلوها وقتلوا ياسرا ، وهما أول شهيدين في الإِسلام . وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه ، فقيل يارسول الله : إن عمارا قد كفر . فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإِيمان بلحمه ودمه " .

فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال له : " مالك ، إن عادوا فعد لهم بما قلت " . وفي رواية أنه قال له : " كيف تجد قلبك ؟ قال مطمئن بالإِيمان ، قال صلى الله عليه وسلم : إن عادوا فعد " . فنزلت هذه الآية " .

ثم قال الآلوسي : والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإِكراه ، وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل ، كما فعل ياسر وسمية ، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة ، بل هو كالقتل في الغزو كما صرحوا به .

و " من " ، في قوله : { مَن كَفَرَ بالله } ، مبتدأ أو شرطية ، والخبر أو جواب الشرط محذوف والتقدير : فعليه غضب من الله ، أو فله عذاب شديد ، ويدل عليهما قوله - تعالى - بعد ذلك : { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً } .

والمعنى : من كفر بالله - تعالى - من بعد إيمانه بوحدانيته - سبحانه - وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد ضل ضلالا بعيدا ، يستحق من أجله العذاب المهين .

وقوله : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } ، استثناء متصل من الجملة السابقة ، أي : إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر ، والحال أن قلبه مطمئن بالإِيمان ، ثابت عليه ، متمكن منه . . فإنه في هذه الحالة لا يكون ممن يستحقون عقوبة المرتد .

قال بعض العلماء : وأما قوله : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } ، فهو استثناء متصل من " مَنْ " ؛ لأن الكفر أعم من أن يكون اعتقادا فقط ، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا . . . وأصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، والمراد به هنا : السكون والثبات على الإِيمان بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإِكراه . . .

وقوله : { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، بيان لسوء مصير من استحب الكفر على الإِيمان باختياره ورضاه .

و " من " في قوله : { من شرح } شرطية ، وجوابها : { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله } .

أي : حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا ، ولكن حكم من طابت نفوسهم بالكفر ، وانشرحت له صدورهم ، واعتقدوا صحته ، أنهم عليهم من الله - تعالى - غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو ، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم الهول ، يتناسب مع عظيم جرمهم .

هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأخبار التي حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن وآلام . فقال ما ملخصه : ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يواري إبقاء لمهجته ، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال - رضي الله عنه - يأبى عليهم ذلك ، وهم يفعلون به الأفاعيل ، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله ، فيأبى عليهم وهو يقول : أحد ، أحد ، ويقول : والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (106)

قوله تعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( 106 ) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ( 107 ) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ( 108 ) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ( 109 ) } . ( من كفر بالله ) ، بدل من ( الذين لا يؤمنون ) ، وما بينهما اعتراض . أو بدل من الإشارة : ( أولئك ) ، أو من قوله : ( الكاذبون ) ، أو مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله : ( فعليهم غضب ) ، وقيل : منصوب على الذم ، وهو قول الزمخشري{[2617]} . وروي في سبب نزول هذه الآية أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد ، فربطوا سمية بين بعيرين وجيء بحربة في قُبُلها ، وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال ، فقتلت ، وقتلوا ياسرا ، وهما أول قتيلين في الإسلام ، أما عمار فأعطاهم بلسانه ما أرادوا مكرها . فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر فقال : " كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من فوقه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه . " فأتى عمار رسول الله ( ص ) وهو يبكي ، فجعل رسول الله ( ص ) يمسح عينيه فقال : : مالك ؟ إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " . وهو يدل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه ، وإن كان الأفضل اجتنابه ؛ إعزازا لدين الله ، وإظهارا للحق كما فعله أبواه ياسر وسمية ؛ فقد روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ قال : رسول الله . قال : فماذا تقول فيّ ؟ فقال : أنت أيضا ، فخلاه ، وقال للآخر : ما تقول في محمد . قال : رسول الله . قال : فما تقول فيّ قال : أنا أصم . فأعاد عليه ثلاثا ، فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله ( ص ) فقال : " أما الأول فقد أخذ برخصة الله . وأما الثاني فقد صدع بالحق ، فهنيئا له " {[2618]} .

قوله : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ، أي : من كفر فتكلم بالكفر بلسانه ، وقلبه مؤمن بالإيمان لينجو من بلاء خطير حل به ؛ فلا حرج عليه في ذلك ؛ لأن الله يؤاخذ العباد بما تعمدت قلوبهم ، ويعفو لهم عن الظاهر المخالف لما يكنه القلب . لاجرم أن ذلك فضل من الله عظيم ، ورحمة منه بالغة وواسعة يفيض بها على المكروبين والمقهورين والمكرهين ، فينجون من المساءلة والحساب .

قوله : ( ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) لكن . استدراك{[2619]} ؛ أي : من أتى الكفر مختارا راغبا وقد طاب به نفسا ، غير مكره ولا مستحسر ؛ فأولئك عليهم من الله غضب ، وهم صائرون يوم القيامة إلى العذاب العظيم وهي النار .


[2617]:- الدر المصون جـ7 ص 288 وتفسير البيضاوي ص 367.
[2618]:- تفسير البيضاوي ص 367.
[2619]:- الدر المصون جـ7 ص 290.