التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ} (56)

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من عقائدهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة التى تمجها العقول السليمة، والأفكار القويمة، فقال - تعالى -: { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَ?للَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ... }.

وقوله - سبحانه - : { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ . . . } ، معطوف على ما سبقه بحسب المعنى ، لتسجيل رذائلهم ، وتعداد جناياتهم . وضمير الجمع في قوله : { لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } ، يصح أن يعود إلى الكفار ، كالذي قبله في : { ويجعلون } ، فيكون المعنى : إن هؤلاء المشركين يفعلون ما يفعلون ، من إشراكهم بالله - تعالى - ومن التضرع إليه عند الضر ونسيانه عند الرخاء . . ولا يكتفون بذلك ، بل ويجعلون للأصنام التي لا يعلمون منها ضرا ولا نفعا ، نصيبا مما رزقناهم من الحرث والأنعام وغيرهما .

ويصح أن يعود ضمير الجمع ، في قوله : { لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } ، للأصنام ، فيكون المعنى : ويجعلون للأصنام التي لا تعلم شيئا ؛ لأنها جماد لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر . . يجعلون لها نصيبا مما رزقناهم .

قال الآلوسى : " قوله : { لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } ، أي : لآلهتهم التي لا يعلمون أحوالها وأنها لا تضر ولا تنفع ، على أن " ما " موصولة ، والعائد محذوف ؛ وضمير الجمع للكفار ، أو لآلهتهم التي لا علم لها بشيء لأنها جماد . على أن " ما " موصوله - أيضا - عبارة عن الآلهة ، وضمير { يعلمون } عائد عليها ، ومفعول { يعلمون } متروك لقصد العموم ، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة بصفاتهم . . " .

وقال - سبحانه - { نصيبا } بالتنكير ، للايماء بأنه نصيب كبير وضعوه في غير موضعه ، ووصفه بأنه مما رزقهم - سبحانه - لتهويل جهلهم وظلمهم ، حيث تركوا التقرب إلى الرازق الحقيقي - جل وعلا - ، وتقربوا بجانب كبير مما رزقهم به - سبحانه - إلى جمادات لا تغني عنهم شيئا .

وما أجملته هذه الآية الكريمة عن جهالتهم ، فصلته آيات أخرى منها قوله - تعالى - في سورة الأنعام : { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } ، وقوله - سبحانه - { تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } تهديد ووعيد لهم على سوء أفعالهم . أي : أقسم بذاتي لتسألن - أيها المشركون - سؤال توبيخ وتأنيب في الآخرة ، عما كنتم تفترونه من أكاذيب في الدنيا ، ولأعاقبنكم العقاب الذي تستحقونه بسبب افترائكم وكفركم . وصدرت الجملة الكريمة بالقسم ؛ لتأكيد الوعيد ، ولبيان أن العقاب أمر محقق بالنسبة لهم ، وجاءت الجملة الكريمة بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لأن توبيخ الحاضر أشد من توبيخ الغائب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ} (56)

قوله تعالى : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ( 56 ) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ( 57 ) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( 58 ) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ( 59 ) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ( 60 ) } الضمير في قوله : ( لما يعلمون ) ، يعود إلى الأصنام ؛ التي لا تعلم شيئا عما يفعله من يعبدها . والمعنى : أن المشركين جعلوا لآلهتهم- أي : الأصنام ، -التي لا تعلم شيئا- نصيبا من الحرث والأنعام . وذلك ضرب من سفاهة الجاهلين وضلالاتهم ؛ إذ يجعلون لما لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل ، جزاء من أموالهم ويقولون هذا لشركائنا . فأقسم الله بجلاله العظيم أنهم مسؤولون عما افتروه من الكذب والباطل . وهو قوله : ( تالله لتسألن عما كنتم تفترون ) ، وذلك تهديد شديد من الله لهؤلاء الضالين الأفاكين . وهو سؤال توبيخ وتهديد يكون عند الموت . وقيل : عند عذاب القبر . وقيل : في الآخرة ، فيكون التقريع والتوبيخ أشد وأنكى .